عبد الوهاب الشعراني
176
تنبيه المغترين
عدم تصديقه بما وعده اللّه به من الأجر ، وتضعيف الثواب فلا ينفعه عمل ولو صار أمثال الجبال لأنه بناء على غير أساس ، إذ من كمال المؤمن الكامل أن لا يتخلف عن مأمور وتأمل يا أخي لو جلس إنسان وبين يديه زنبيل ملآن ذهبا وقال كل من أعطى فقيرا درهما أعطيته دينارا كيف يبادر الناس ويسارعون إلى بذل الدراهم للفقراء بخلاف ما لو وعدهم بالدينار بعد سنة مثلا فإنه لا يجيبه إلا القليل منهم ، وذلك لضعف تصديقهم له ، ولو أن إيمانهم كان كاملا لأجابوه كلهم ، إذ من شرط كامل الإيمان أن يكون ما وعد به الشارع غيبا كالحاضر عنده على حد سواء ، ومن هنا تقدم من تقدم وتأخر من تأخر ا ه ، واللّه أعلم . وقد سئل عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن العاقل من هو ؟ فقال : من يكنز ماله في مكان لا يأكله السوس ولا تصل إليه اللصوص - يعني في السماء - ، وقد كان كسرى يقول أنت للمال ما أمسكته فإذا أنفقته كان لك . وقال : دخل شخص البصرة فقال من سيد هذا المصر ، فقيل له الحسن بن أبي الحسن البصري ، وقال : وبم سادهم ؟ قالوا : لأنه استغنى عما بأيديهم من الدنيا واحتاجوا لما عنده من العلم والدين ، فقال الرجل : بخ بخ هذا سيدهم بلا شك ، وقد أوحى اللّه إلى موسى عليه الصلاة والسلام إني لأشكو إليك من عبادي من أربعة أشياء استقرضتهم مما أعطيتهم فبخلوا وحذرتهم من إبليس فلم يحذروا ودعوتهم إلى الجنة فلم يجيبوا وخوفتهم من النار فلم يخافوا واجتهدوا في أعمالهم . وقد جاءت امرأة يوما إلى الإمام الليث بن سعد رضي اللّه عنه بإناء صغير تطلب منه فيه عسلا وقالت : إن زوجي مريض ، قال : فأمر لها الإمام براوية ملآنة عسلا فقيل له : إنها طلبت قدحا صغيرا ، فقال : إنما طلبت على قدرها ونحن أعطيناها على قدرنا ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : عجبا لك يا ابن آدم تنفق في شهواتك إسرافا وبدارا وتبخل في مرضاة ربك بدرهم ستعلم يا لكع مقامك عنده غدا ، وكان يقول أعطوا الشعراء وذوي اللسان فإن من لم يبال بالشكاية فيه فقد نادى على نفسه بالدناءة وقلة المروءة ، وكان يقول : إياك أن تطلب حاجة من بخيل فإن من طلب منه حاجة فهو كمن يطلب صيد السمك من البراري والقفار ، وكان أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه تعالى لا يمنع قط أحدا سأله شيئا ويقول أتخلق بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .