عبد الوهاب الشعراني
13
تنبيه المغترين
بميزان شرعي ولا يعرف ذلك إلا من تبحر في علوم الشريعة انتهى . قلت : فكذب واللّه وافترى من يقول إن طريق الصوفية لم يأت بها كتاب ولا سنة وقوله ذلك من أكبر العلامات على كثرة جهله ، فإن حقيقة الصوفي عند القوم هو عالم عمل بعلمه على وجه الإخلاص لا غير وغاية ما يطلبه القوم من تلامذتهم بالمجاهدات بالصوم والسهر والعزلة والصمت والورع والزهد وغير ذلك أن يصير أحدهم بالعبادات على الوجه الذي يشبه ما كان عليه سلفهم الصالح لا غير ولكن لما اندرست طريق السلف باندراس العاملين بها ظن بعض الناس أنها خارجة عن الشريعة لقلة من يتخلق بصفات أهلها كما بسطنا الكلام على ذلك في كتاب المنهج المبين في بيان أخلاق العارفين فاعلم ذلك والحمد للّه رب العالمين . الميزان ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : توقفهم عن كل فعل أو قول حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة أو العرف لأن العرف من جملة الشريعة ، قال تعالى : [ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ] « 1 » ، فعلم أن القوم لا يكتفون في أقوالهم وأفعالهم بمجرد عمل الناس بها لاحتمال أن يكون ذلك الفعل أو القول من جملة البدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة ، وفي الحديث [ لا تقوم الساعة حتى تصير السنة بدعة ] فإذا تركت البدعة يقول الناس تركت السنة وذلك لتوارث الفروع البدع عن أصولهم فلما طال الزمن بالبدع ظن الناس إنها سنة مما سنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن القوم طائفة إذا لم يجدوا لذلك العمل دليلا من سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم الثابتة في كتب الشريعة يتوجهون بقلوبهم إليه صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا حضروا بين يديه سألوه عن ذلك وعملوا بما قال لهم إلا أن مثل ذلك خاص بأكابر الرجال ، فإذا قيل فهل لصاحب هذا المقام أن يأمر الناس بما أمره به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أم لا ، فالجواب لا ينبغي له ذلك لأنه أمر زائد على السنة الصحيحة الثابتة من طريق النقل ومن أمر الناس بشيء زائد على ما ثبت من طريق النقل فقد كلف الناس شططا اللهم إلا أن يختار أحد ذلك فلا حرج ، كما هو شان مقلدي المذاهب المستنبطة من الكتاب والسنة واللّه أعلم . وقد كان السلف الصالح رضي اللّه عنهم يحثون الناس لا سيما أصحابهم على التقيد بالكتاب والسنة واجتناب البدع ويشددون في ذلك حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ربما كان يهم بالأمر ويعزم عليه فيقول له بعض الناس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يأمر
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 199 .