عبد الوهاب الشعراني

132

تنبيه المغترين

عليه لم ينفعه شيء من أعماله ، وقد كان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول : من أعظم الأعداء عدو لا تراه حتى تكيده ، وكان حبيب العجمي رحمه اللّه تعالى يقول : لو أقامني اللّه عز وجل بين يديه وقال ائتني بسجدة واحدة لاحظ للنفس أو للشيطان فيها لأدخلك بها الجنة لقلت له يا رب لا أجد ذلك اه . فتنبيه يا أخي لنفسك وإياك أن تظن أن إبليس انقطع عنك حين ترى توالي عبادتك بل انظر فيها وابحث كل البحث ، والحمد للّه رب العالمين . رائحة تكبر ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : مجانبتهم للأمور التي فيها رائحة تكبر على الإخوان كعدم حضور جنائز أطفالهم أو خدمهم وأرقائهم وعدم عياداتهم إذا مرضوا ، وذلك لأن الفقراء ما سادوا على الناس في الدارين إلا بالذل وخفض الجناح ثم إن أحدهم إذا حضر الجنازة يكون حزينا نادما على ما فرط في جنب اللّه تعالى ، وفي الحديث [ كفى بالموت واعظا ] ولم يكن أحد منهم يذكر شيئا من حديث الدنيا في طريق الجنازة ولا يتكلم بالمباح فضلا عن المذموم . وهذا الخلق قد صار غريبا في هذا الزمان في الناس فأكثرهم لا يعتبر بحضور الجنائز ، وإن قدر أنه حضر صار حكويا بل وربما حكى الحكايات المضحكة عند السرير كما شاهدت ذلك من شيخ بعمامة صوف فاللّه تعالى يغفر لنا وله ، وقد كانوا يخرجون للجنائز في الثياب البذلة لأنها شفاعة في الميت وكلما كان إلى الذل أقرب كان إلى قبول الشفاعة أقرب ، كما قالوا في الخروج للاستسقاء ورفع الوباء فينبغي اجتناب الثياب النفيسة لا سيما إن كانت معطرة ، فعلم أن كل فقير خرج إلى الجنائز وهو لابس محاسن ثيابه بغير نية صالحة فهو بعيد عن أحوال القوم غافل عن تذكر الموت ، لحديث [ ومن أراد الآخرة ترك الدنيا ] وفي الحديث أيضا [ عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة ] يعني وإذا ذكرتم الآخرة زهدتم في ملاذ الدنيا اه . وقد كانوا إذا حضروا جنازة يستغرقون في التفكر في ذكر الموت وأحوال الناس في القبور حتى يظل أحدهم محزونا الأيام المتوالية يعرفون ذلك الحزن في وجهه ، وقد كان يحيى بن أبي كثير رحمه اللّه تعالى إذا شيع جنازة يرجعون به في النعش لا يستطيع المشي