عبد الوهاب الشعراني

126

تنبيه المغترين

مصر وسأل عني فاجتمع بي وقال : لم يكن لي في مصر حاجة إلا الاجتماع بك امتثالا لأمره صلى اللّه عليه وسلم ثم قال لي على المسألة ففسرتها له بحمد اللّه تعالى . وقد كنت ذكرت في هذا الكتاب أن من أخلاق القوم رضي اللّه عنهم أنهم يصلون الصلوات الخمس خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قبره الشريف ، وأنهم يسمعون رده عليهم السلام حين يقولون في تشهدهم السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فتوقف في ذلك بعض أصحابنا من طلبة العلم وقالوا : ما من كرامة إلا وهي موروثة من أحد ممن سبق ولم يصل إلينا أن أحدا من الصحابة رضي اللّه عنهم ولا من التابعين أن رد عليه السلام من النبي صلى اللّه عليه وسلم من القبر الشريف بعد موته ، فلما وقع ذلك التوقف ولم أر أحدا يطلب الوصول إلى هذا المقام بالمجاهدة والرياضة رفعت ذلك من الكتاب . على أنه ما من عام إلا ويصح أن يخص منه أمر كما هو مقرر في علم الأصول إلا ما استثنى شرعا ، وقد نقل العلامة ابن زهرة في تفسيره أن من الكرامات التي لم تورث ولم يقع مثلها لأحد قبل صاحبها آتيان آصف بن برخيا بعرش بلقيس ، وقال هذه كرامة لم تكن موروثة عن أحد قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا غيرهم . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : لا يحق لأحد قدم الولاية المحمدية حتى يجتمع برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالخضر وإلياس عليهما السلام ، قد درج الصادقون كلهم على ذلك فلا يقدح فيهم إنكار بعض المحجوبين عنه ، وقد كان سيدي الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه تعالى يقول لأصحابه : هل فيكم أحد إذا سلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسمع رده عليه بأذنه ؟ فيقولون : لا ليس فينا أحد يقع له ذلك ، فيقول : ابكوا على قلوب محجوبة عن اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يقول واللّه لو احتجبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحظة من ليل أو نهار لما عددت نفسي من المسلمين . ( قلت ) ولكن بين الفقير وبين مقام الآخذ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسماع صوته بالرد على من سلم عليه مائة ألف مقام وسبعة وأربعون ألف مقام وتسعمائة وتسعة وتسعون مقاما فمن ادعى ذلك طالبناه بهذه المقامات فإذا رأيناه لا يعرفها كذبناه في دعواه ذلك . وقد ادعى هذا المقام جماعة من أهل العصر في حياة سيدي علي المرصفي رحمه اللّه تعالى فأمر بحضورهم إليّ عنده فلما رآهم قال لهم : مقصدي أسمع منكم الكلام على بعض مقامات مما ذكرتم أن اللّه تعالى خصكم بها فلم يدر أحدهم ما يقول ، فزجرهم عند ذلك وأمر بإخراجهم من حضرته فماتوا على أسوأ حال والعياذ باللّه ، فإياك يا أخي أن تدعى شيئا من المقامات التي لم تصل إليها فتعاقب بحرمانها .