عبد الوهاب الشعراني

122

تنبيه المغترين

هل لك حاجة ؟ فقالت : لا غير أنكم ترون أن النظر إلى وجه العالم عبادة ، فأنا أنظر إليك لأجل ذلك ، قال : فبكى إبراهيم حتى خنقته العبرة ثم قال : إن هذه المرأة قد غلطت في أن الذين كان النظر إلى وجوههم عبادة قد صاروا في المقابر بين أطباق الثرى منذ أربعين سنة مثل أحمد بن حنبل وخلف بن أيوب وشقيق البلخي وأضرابهم رضي اللّه عنهم فسيري إلى مقابرهم وتأملي فيها . وكان بشر بن الحارث رحمه اللّه تعالى يقول : ما رأيت أحدا في زماننا هذا أوتي العلم إلا أكل بدينه ما عدا أربعة : إبراهيم بن أدهم ووهيب بن الورد وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط رضي اللّه عنهم ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : من أبكاه علمه فهو العالم ، قال تعالى : [ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ] « 1 » ، وقال تعالى : [ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ] « 2 » . فانظر يا أخي في نفسك هل وفيت بحق علمك وعملك كما وفي هؤلاء ، أم أنت عنهم بمعزل وأكثر من الاستغفار ليلا ونهار ، والحمد للّه رب العالمين . عجز الإنسان ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الحط على أصحابهم إذا خالطوا الأمراء وكثرة شكرهم لمن نصحهم وكثرة اعتقادهم الفسق في نفوسهم كلما كثر علمهم وذلك لعلمهم بعجز الإنسان غالبا عن العمل بكل ما علم ، وإذا لم يعمل الإنسان بكل ما علم انسحب عليه اسم الفسق فيما لم يعمل به ، فإن من العمل بالعلم البعد عن الأمراء وعدم اتخاذ العلم شبكة يصطاد أحدهم بها الدنيا والمناصب ، وعدم الفرح بكبر حلقة درسه وعدم اللذات بقول الناس فلان عالم عامل أو فلان أعلم أهل هذا البلد ونحو ذلك كما أن من عدم العمل بالعلم أن يغتم من أضداد هذه الصفات ، وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : من علامة عدم العمل بالعلم محبة الصيت بالصلاح والاشمئزاز من قول الناس فلان محب في الدنيا أو مراء بعلمه وعمله ونحو ذلك مما ذكرناه في كتابنا البحر المورود في المواثيق والعهود ، فعلم بذلك أن من فرح بما ذكرناه أو انقبض خاطره من ضده فهو لم يعمل بعلمه فليبك على نفسه .

--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 107 . ( 2 ) سورة مريم : الآية 58 .