عبد الوهاب الشعراني
108
تنبيه المغترين
ومن أدلة القوم في هذا الخلق ما ورد أن رجلا قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إني أحبك يا رسول اللّه ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه ] ، وقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : ما زالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتى قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم فصبت علينا الدنيا صبا أي لأنا كنا ببركته صلى اللّه عليه وسلم في حماية من الدنيا فلما توفى النبي صلى اللّه عليه وسلم ذهبت تلك الحماية ودخل علينا النقص ، وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : إذا ترقى العبد في مقامات العرفان صارت الدنيا تزداد منه نفرة ولو أنه طلبها لما أجابته وذلك لعدم رؤيتها محلا من قلبه تمكث فيه ا ه ، فعلم أن من علامة من ادعى الفقر كذبا أن يزداد من أمتعة الدنيا وزينتها كلما طعن في السن ، فاعلم ذلك والحمد للّه رب العالمين . شدة الفرح ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة الفرح في الدنيا كلما حيل بينهم وبين الوصول إلى شهواتهم فيها ، فيقولون : لولا أن اللّه تعالى يحبنا ما حال بيننا وبين ما يحجبنا عنه ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : قال لي معلمي عبد اللّه الرازي رحمه اللّه تعالى إن أردت القرب من اللّه تعالى فاجعل بينك وبين الشهوات حائطا من حديد ، وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام حرام علي قلب أحب الشهوات أن أجعله إماما للمتقين . وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول : أميتوا الشهوات في أنفسكم ولا تميتوا أنفسكم في الشهوات ، فإن من جعل شهوته تحت رجليه فر الشيطان من ظله كما أن من جعلها في قلبه ركبه الشيطان فصرفه كيف شاء بتسليط اللّه تعالى ، وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول : الجنة ترجع بجملتها إلى شيئين الراحات والشهوات ولا يدخل أحد الجنة إلا بترك الراحات والشهوات في الدنيا . وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : سيأتي على الناس زمان يكون همة أحدهم بطنه ودينه هواه وسيفه لسانه ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : ليست الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام من نفسك . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : ما عالجت شيئا أشد من نفسي مرة معي ومرة علي ، وكان يقول : كفوا أنفسكم عن الشهوات قبل أن يخاصم بعضكم بعضا ، ومن