عبد الوهاب الشعراني
98
تنبيه المغترين
شدة العلم ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة علمهم على رقة حجابهم حتى يصير أحدهم يرى الآخرة ونعيمها بعين قلبه ، وذلك ليصح زهده في الدنيا ويتفرغ للآخرة وإلا فمن حجب رؤية الآخرة فبعيد عليه الزهد في الدنيا ، وكان عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه يقول : من أراد أن يزهد في الدنيا من غير أن يرى الآخرة بين يديه فقد رام المحال ، وكان أبو واقد الليثي رحمه اللّه تعالى يقول : لقد كابدنا الأعمال فلم نجد في أعمال الآخرة عملا أبلغ من الزهد في الدنيا . وقد سمع مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى رجلا يقول : لو أعطاني اللّه تعالى في الجنة بيتا صغيرا لرضيت به ، فقال له مالك ليتك يا أخي زهدت في الدنيا كما زهدت في الجنة ، وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : ما طلب سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ملكا لا ينبغي لأحد من بعده إلا ليتحقق بمقام الزهد لأن الزهد مع وجود الدنيا أعظم ممن كان زهده فيها مع الفقد . وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : لو حلف حالف أن الزاهد في الدنيا خير الناس لقلت له صدقت لا تكفر عن يمينك ، وكان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : لو أوصى رجل بمال إلى أعقل الناس لصرفته إلى الزاهد في الدنيا اه . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : يحشر الناس كلهم عراة إلا الزاهد في الدنيا ، كان شقيق البلخي رحمه اللّه تعالى يقول : الزاهد الصادق يقيم زهده بفعله والمتفعل يقيم زهده بقوله من غير فعل ، وقد قال رجل لسفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى أشتهي أن أرى عالما زاهدا في الدنيا فقال له : تلك ضالة لا توجد الآن لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض وأين يوجد ذلك حتى إن الإنسان يزهد فيه . ( قلت ) إن الحلال موجود والمقامات موجودة ولكن حلال كل إنسان ومقامه على قدر حاله ولذلك طلب الشارع صلى اللّه عليه وسلم منا أن نأكل حلالا ونتأسى به في الأخلاق والمقامات ولولا وجود الحلال وإمكان الترقي لبطلت الأحكام الشرعية من قرون متعددة قائمة إلا من يأكل حلالا ويخاف اللّه عز وجل ويزهد ويتورع ولكن على قدر حظه ونصيبه فلعل قوله لم يوجد الحلال على سبيل المبالغة واللّه أعلم . وقد كان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : من كان أكثر الناس زهدا في الدنيا فهو