عبد الوهاب الشعراني
356
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
أوجبت على العبد خدمة سيده فيما افترضه عليه فعلم أن بين الإنسان في عبوديته الاضطرارية وعبوديته الاختيارية كما بين الأجير ، والعبد المملوك ، فإن العبد الأصلي ماله على سيده استحقاق إلا ما لا بد منه فهو يأكل ويلبس من سيده ويقوم بواجبات أموره ، ولا يزال في دار سيده ليلا ونهارا لا يبرح إلا إذا وجهه سيده في شغل فهو في شغله الدنياوي مع اللّه تعالى ، وكذلك هذا حاله يوم القيامة ، وفي الجنة فإنها جميعها ملك لسيده فيتصرف فيها بإذن سيده كتصرف المالك والأجير ليس له لا ما عين له من الأجرة فقط ، ومنها نفقته وكسوته وماله دخول على حرم سيده ومؤجره ولا له اطلاع على أسراره ولا تصرف في ملكه إلا بقدر ما استؤجر عليه ، فإذا انقضت مدة إجارته وأخذ أجرته فارق مؤجره واشتغل بأهله وليس له من هذا الوجه حقيقة ولا نسبة أن يطلب من استأجره إلا أن يمن عليه رب المال بأن يبعث خلفه ويخاليه ويخلع عليه فذلك من باب المنة . ( فإن قلت ) : فهل يكون عبودية الاضطرار في الجنة كما هي في الدنيا ؟ ( فالجواب ) : لا يكون في الآخرة عبودية اضطرار أبدا لعدم التحجير فإن تفطنت يا أخي لما نبهتك عليه علمت من أي مقام قالت الأنبياء إن أجري إلا على اللّه مع كونهم العبيد الخلص الذين لم يملكهم قط هوى نفوسهم ولا هوى أحد من خلق اللّه وذلك لأن طلب الأجر راجع إلى دخولهم تحت حكم الأسماء الإلهية فمن هناك وقعت الإجارة فهم في حال الاضطرار وهم في الحقيقة عبيد الذات وهم لها ملك والأسماء دائما تطلبهم لتظهر آثارها فيهم فكل اسم يناديهم ادخلوا تحت أمري وأنا أعطيكم كذا . فلهم الاختيار من هذا الوجه في الدخول تحت أي اسم شاؤوا فلا يزال أحدهم في خدمة ذلك الاسم حتى يناديه السيد من حيث عبودية الذات فيترك كل اسم إلهي ويقوم بدعوة سيده ، فإذا فعل ما أمره به حينئذ رجع إلى أي اسم شاء ولهذا كان الإنسان يتنفل حتى يسمع إقامة صلاة الفريضة فيؤمر بترك كل نافلة ويبادر إلى أداء فرض سيده ومالكه ، فإذا فرغ دخل في أي نافلة شاء . ( فإن قلت ) : فمن أي حضرة كان أجر الأنبياء على اللّه تعالى ؟ ( فالجواب ) : هو من حضرة السيادة ، فإنه هو الذي استخدمهم في التبليغ .