عبد الوهاب الشعراني
352
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) [ مريم : 64 ] ما معنى هذا النسيان ؟ ( فالجواب ) : معناه ليس ربك نسيا فيما شاهده من قول جبريل لمحمد صلى اللّه عليه وسلم في حال كونها أعيانا ثابتة في علمه حال عدمها وخطاباتها فصح قوله نسيا لأنه حكاية أمر محقق في وجود محقق للّه لا يتصف بالحدوث ثم إن تلك الأعيان لما حدثت أخبرت بما كان منها قبل كونها مما شاهده الحق تعالى منها ، ولم تشهده هي لعدم وجودها لنفسها ، وقد روي عن الزهري أنه حدث مرة عن شخص من الثقات فقال حدثني فلان عني أني قلت كذا وكذا ، وذلك أن الزهري لما قال حدثني فلان اتصل الإسناد ، وإن كان هو لا يعلم هذا الحديث ذكره الشيخ في الباب السابع والثمانين ، وسيأتي بسط الكلام على أحوال الملائكة في المبحث التاسع والثلاثين فراجعه واللّه أعلم . ( فإن قلت ) : هل النبوة مكتسبة كالولاية ؟ أي ولاية النبي في نفسه كما قيل ؟ أم هي موهوبة ؟ ( فالجواب ) : الولاية في كل من النبي والولي مكتسبة وما خرج عن الكسب سوى النبوة ، وإيضاح ذلك أن اللّه تعالى قد خلق الخلق على منازل بحسب ما سبق في علمه فجعل الملائكة ملائكة والرسل رسلا ، والأنبياء أنبياء ، والأولياء أولياء ، والمؤمنين مؤمنين ، والمنافقين منافقين ، والكافرين كافرين كل ذلك مميز عنده سبحانه وتعالى لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ، ولا يتبدل أحد بأحد فليس لمخلوق تعمل في مقام لم يخلق عليه ، بل قد وقع الفراغ من ذلك فلا يجري أحد في مجراه ، ولا يمشي أحد في مدرجة أحد . إذ لو سلك أحد في مدرجة أحد لكانت النبوة مكتسبة وحصلها من لم يكن نبيا ، وذلك غير واقع انتهى . وقال الشيخ أيضا في الباب التاسع عشر : لكل شخص من أهل اللّه تعالى سلم يخصه لا يرقي فيه غيره إذ لو رقي أحد في سلم أحد لكانت النبوة مكتسبة والأمر على خلاف ذلك . ( فإن قلت ) : فما شبهة قول من يقول إن النبوة مكتسبة ؟ ( فالجواب ) : شبهته في ذلك كونه رأى الأنبياء قبل رسالتهم لا بد أن ينقطعوا أو يتعبدوا