عبد الوهاب الشعراني

338

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

روحه فقال له آدم : قد بقي من عمري ستون سنة ، فقال اللّه تعالى : يا آدم إنك قد وهبتها لولدك داود فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فمن ذلك اليوم أمر اللّه تعالى بالكتاب والشهود » . انتهى . فهذا آدم وذريته صورة قائمة في قبضة الحق كما يليق بجلاله وهذا آدم خارج عن تلك اليد وهو يرى صورته وصورة ذريته في يد الحق تعالى . فما بالك يا أخي تقربه في هذا الموضع وتنكر علينا في قولنا بتعدد الصور في الأفلاك فلو كان هذا محالا لنفسه لم يكن واقعا ولا جائزا نسبة إذ الحقائق لا تتبدل . قال وأكثر من هذا التأنيس لك فلا أقدر عليه فلا تكن ممن قال اللّه تعالى فيهم : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) [ البقرة : 18 ] وقد أطال الشيخ الكلام على ذلك في الباب السادس وأربعين وثلاثمائة . ( فإن قلت ) : فهل أعطي أحد النبوة وآدم بين الماء والطين غير محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ( فالجواب ) : لم يبلغنا أحدا أعطي ذلك إنما كانوا أنبياء أيام رسالتهم المحسوسة . ( فإن قلت ) : فلم قال : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ، ولم يقل كنت إنسانا أو كنت موجودا ؟ ( فالجواب ) : إنما خص النبوة بالذكر دون غيرها إشارة إلى أنه أعطي النبوة قبل جميع الأنبياء . فإن النبوة لا تكون إلا بمعرفة الشرع المقدر عليه من عند اللّه تعالى . ( فإن قلت ) : فما معنى قولهم : إنه صلى اللّه عليه وسلم ، أول خلق اللّه هل المراد به خلق مخصوص ؟ أو المراد به الخلق على الإطلاق ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب السادس : أن المراد به خلق مخصوص وذلك أن أول ما خلق اللّه الهباء وأول ما ظهر فيه حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قبل سائر الحقائق وإيضاح ذلك أن اللّه تبارك وتعالى لما أراد بدء ظهور العالم على حد ما سبق في علمه انفعل العالم عن تلك الإرادة المقدسة بضرب من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية ، فحدث الهباء وهو بمنزلة طرح البناء الجص ليفتتح فيه من الأشكال والصور ما شاء ، وهذا هو أول موجود في العالم ثم إنه تعالى تجلّى بنوره إلى ذلك الهباء والعالم كله فيه بالقوة ، فقبل منه كل شيء في ذلك الهباء على