عبد الوهاب الشعراني

588

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

تعالى فرق بين الأرواح والأجساد ليعرف الخلق بالقطيعة قدر الوصال فإن الوصل إذا استدام خفي وعند الفراق يكون التحنن والاشتياق وبهما يعرف قدر الوصال . قال الشيخ : أبو طاهر : وسمعت بعض الصالحين بهمذان يقول نظرت من ربوة إلى بعض المقابر فرأيتها مد البصر فخطر بقلبي ما هذه الأطلال والأحجار فهتف بي هاتف يقول : قشو بيض طار عنها فراخها * وهل ترجع الأطيار يوما إلى البيض فسمعت على أثره قائلا يقول : بل يجعل اللّه القشور هوادجا * من الذر بيضا لا كرامة للقبض فترجع عنها الطائرات أوامنا * من الصيد لا يبرحن من أرج الروض قال : وبالجملة فمحصول علم البدء والإعادة أن يعلم أن الأرض التي خلق منها آدم قد قدر اللّه تعالى لكل ذرة منها من ذرات ذريته روحا مختصة بها وهو قوله تعالى : خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) [ عبس : 19 - 20 ] قيل معناه فقدر له روحا ثم لما أخرجها من صلب آدم قرن كل ذرة بروحها وأخذ الميثاق عليها ثم ردهم إلى ظهره ورد أرواحهم إلى خزانة الغيب ثم أخرج تلك الذرات كلها من ظهر آدم ممتزجة بأمشاج النطفة إلى رحم حواء ثم من أصلاب بنيه قرنا بعد قرن إلى الأرحام ثم إنه ينشئها بالأغذية كما يشاء وينقلها في أطوارها كما شرحناه فيما مر ثم يخرجها من الأرحام إلى قضاء الدنيا ثم بعد انقضاء آجالهم يقبض أرواحهم ويردهم إلى بطون الأرض ثم إنه يرد إليهم في القبور أرواحهم عند سؤال الملكين فكانت تلك الذرة الفاهمة من الجملة تفهم الخطاب وترد الجواب وسائر الأجزاء أموات ومن هنا غلطت المعتزلة فأنكروا السؤال وربما يتحرك جميع الجسد ويتكلم تبعا لتلك الذرة الأصلية لقوتها وذلك يكون للأنبياء وللأولياء كما جاء في الأخبار ثم إن الإنسان ما دام في البرزخ فبين هذه الأرواح وتلك الذرات المقبورة تواصل معنوي وتزاور إلهامي وإن صارت هي في الصورة رفاتا فالأخبار وردت بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار هكذا يكون الأمر إلى حين دنو ميعاد المعاد في النشأة الأخرى بعد الطامة الكبرى فينقيها بالزلازل والرجفات والرياح المؤتفكات ويعجنها بالأمطار الشبيهة بمني الرجال كما جاء في الأخبار فتهيأت حينئذ لقبول