عبد الوهاب الشعراني
579
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
يميت مرة ويحيي أخرى قلنا لهم أن النفخة الأولى نفخة قهر فهي تطم الأجساد وتصخ الآذان بقرعها وهي الطامة الكبرى والصاخة العظمى والقارعة لهذه الأجساد بهدتها وتفارقها الأرواح بشدتها ، وأما النفخة الثانية فنفخة رحمة وعطف وإصلاح فالأولى بها يميت الخلق وبالأخرى يحييهم مثاله النفخة القوية فإنها تطفئ النار العظيمة والنفخة اللطيفة تحييها قال الشاعر : منك صلاحي وفسادي معا * كالنفخ مطفي النار والمذكى فإذا عرفت يا أخي صفة الصور والأرواح المحتسبة فيه ، وعرفت أن ذرات الأجساد المصفاة من الأوساخ والكدروات الأرضية إنما كان تصفيتهم بما لطفها اللّه به من قوارع الأرض وحوادثها كما قيل : * إن الحوادث صقيل الأحرار * وأنها صارت إذ ذاك أرض فضة وحبرة لقيت متهيئة لقبول أرواحها كالأرض الطيبة المهيئة لقبول الزرع فيها وكانت كل ذرة منها ناظرة إلى روحها الخاصة بها وكذلك روحها ناظرة إليها سعيدة كانت أم شقية وعرفانها ذلك فطرة وإلهام من اللّه تبارك وتعالى كما قال في مثل ذلك قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة : 60 ] فإذا تمت الأربعون من النفخة الأولى ولم يبق في الدار ديار ألقى اللّه الروح إلى إسرافيل أولا فيحييه كما مر وذلك قوله تعالى رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) [ غافر : 15 - 16 ] ثم يأمره أن ينفخ ثانية وذلك قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 ) [ الزمر : 68 - 69 ] وقوله تعالى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) [ النبأ : 18 ] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) [ يس : 51 ] أي يخرجون من الأرض متخلصين عما ليس من ذراتهم من غرائب أجزاء الأرض قال أهل اللغة : والنسل العسل إذا ذاب وفارق الشمع ، قال الشيخ أبو طاهر فيحتمل أن يكون انجذاب كل ذرة إلى روحها وتمايزها من سائر أجزاء الأرض كانجذاب كل ذرة من برادة الحديد ممتازة من ذرات سائر الأجساد إلى حجر المغناطيس ألا تراها كيف تلتصق به خالصة من غيرها وكيف وهي في علم اللّه تعالى كل روح مع جسده حاضران مجتمعان وإن كانا في الصورة عندنا متفرقين قال اللّه تعالى قَدْ عَلِمْنا ما