عبد الوهاب الشعراني

576

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

يفعل به حتى تتساحق أجزاء الأرض والجبال فتصير كالرمال كما قال وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 14 ] ثم لا يزال ينسحق بعضها بالبعض من الجبال والأرض تحت هذه القوارع والوقائع حتى يصير جميع أجزائها هباء كما قال تعالى وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 ) [ الواقعة : 5 - 6 ] فلعله تعالى يصير ذرات الأرض في هذه الدكادك والأهوال صفوا من الكدورات ويزيل عنها جميع الشوائب والخبث حتى تبدي جواهرها التي هي متهيئة لقبول الأرواح هي معنى قوله إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 ) [ العاديات : 9 - 10 ] فتبقى بعد ذلك في غاية الصفاء والرقة والنعومة والدقة كالهواء وما سواها من أجزاء الأرض الغربية يتلاشى وينعدم ألا ترى إلى قوله تعالى وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) [ النبأ : 2 ] ولا شك أن جرم الجبال أشد من جرم الأرض فإذا صارت الجبال سرابا فما حال التراب والسراب هيئة كالخيال يتلاشى في الحال حتى إذا جاءه الشخص لم يجده شيئا للطافته وهذا إشارة إلى إعدام اللّه جميع أجزاء الأرض سوى ذرات بني آدم وإليه الإشارة بقوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] وما أشبه تلك الذرات بذرات الذهب في المعدن حين تمطر عليها الأمطار وتغسلها من تراب المعدن حتى تصير تبرق وفي الحديث « ينزل اللّه تعالى أمطارا متوالية كمني الرجال فينبتون من الأرض كما ينبت البقل وفي رواية كما تنبت الحبة في حميل السيل أما ترونها تخرج صفراء ملتوية » وقد شبه اللّه تعالى في القرآن إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها في مواضع كقوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى [ فصلت : 39 ] وأطال الشيخ أبو طاهر في ذلك ثم قال : فهذه التغييرات والتبديلات لذرات الأموات بمنزلة تغاير التراب في أيام تخمير طينة آدم وتغاير النطف في تخليق الأجنة في الأرحام فإذا جرت على الأرض لا يبقى للتراب جساوة ولا قساوة تنافي الأرواح في لطافتها بل تصير من تقاربها منها في لطفها وصفائها حانة إلى أرواحها حنين الإبل إلى مراحها بل كحنين الإلف إذ فارقه إلفه دليل على أن اللّه تعالى إذا أراد أمرا لم يحتج إلى