عبد الوهاب الشعراني

510

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

مؤمن أي بأن اللّه يراه أي حاضر القلب مع اللّه تعالى إذ لو كان حاضر القلب مع اللّه تعالى لم يستطع أن يعصي حياء من اللّه عز وجل فلا بد للعاصي من سدل الحجاب عليه حتى يقع في المعصية وأقل الحجاب أن يقع في تأويل أو تزيين من النفس كأن تقول له نفسه ربك غفور رحيم ولا يكون غفورا رحيما إلا للمذنبين وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » وبعيد أن اللّه تعالى يؤاخذ مثلك ما دمت تستغفر اللّه وتقول له نفسه أيضا : افعل ما قدر عليك فإنك لا تستطيع أن ترد ما قدره اللّه عليك وتفتح له نفسه باب الرجاء الواسع حتى تهون عليه الذنب : وقد أجمع أهل الكشف على أنه لا يصح لعارف أن يعصي اللّه تعالى على الكشف والشهود أبدا فإن علمه بأن اللّه تعالى يراه يمنعه من الوقوع ثم لو فرض أن العاصي يشهد أن اللّه تعالى يراه حال المعصية فلا بد أن يشهده غير راض عنه في تلك المعصية . وفي حديث الطبراني وغيره مرفوعا : إذا أراد اللّه تعالى إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم والمراد بهذه العقول التي تسلب : العقول التي تشهد نظر الحق تعالى إليهم حال معصيتها لا عقول التكليف إذ لو كان المراد بها ذلك ما آخذ اللّه تعالى أحدا عدم التكليف وقد ثبتت المؤاخذة بالنصوص القاطعة فافهم . فإن هذا موضع غلط فيه جماعة من المتصوفة فعلم أنه لا يلزم من كون العبد يحجب عنه الإيمان بأن اللّه تعالى يراه حال المعصية أن ينتفي عنه الإيمان بوجود اللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره كما توهمه بعضهم ، بل هو مؤمن بذلك كله لم يحجب عنه ما عدا كون اللّه تعالى يراه فإنه لا بد من حجابه فيه ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا وإلا كان ذلك في غاية قلة الحياء مع اللّه تعالى فإذا فهمت ذلك علمت أن الإيمان يتخصص في كل موطن بما يناسبه بحسب السياق الذي هو فيه وذلك قوله تعالى : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم : 47 ] أي بأني أنصرهم فإني عند ظن عبدي بي وقس على ذلك هكذا قرره الشيخ نجم الدين البكري في « تفسيره » . ( فإن قلت ) : فما معنى حديث : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه تعالى لم يعصه » ؟ ( فالجواب ) : معناه كما قاله الشيخ في الباب الحادي والسبعين وثلاثمائة : أن الأسباب المانعة للعبد من الوقوع في المعاصي أربعة أشياء لا خامس لها وهي الحياء من اللّه تعالى