عبد الوهاب الشعراني

503

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

اللّه وإنما تعطي مشاهدة ميثاق الذرية حين أشهدنا الحق تعالى على أنفسنا بقوله ألست بربكم وقلنا بلى ، ولم يكن هناك إلا التصديق بالملك والوجود لا بالإيمان والتوحيد وإن كان هناك توحيد فهو توحيد الملك فمعنى قوله تعالى : إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] أي حين خرجوا إلى الدنيا لأن الفطرة إنما كانت على إيمانهم بوجود الحق والملك كما مر فلما احتجب التوحيد عن الفطرة ظهر الشرك في الأكثر ممن يزعم أنه موحد وما أداهم إلى ذلك إلا التكليف فإنه لما كلّفهم تحقق أكثرهم أن اللّه ما كلّفهم إلا وقد علم أن لهم اقتدارا نفسيا على إيجاد ما كلفهم به من الأفعال فلم يخلص لهم توحيد ولو أنهم علموا أن اللّه تعالى ما كلفهم إلا لما فيهم من الدعوى في نسبة الأفعال إليهم لكانوا تجدروا عنها بنفوسهم كما فعل أهل الشهود فعلم أنه لو كان المراد بالإيمان في الآية التوحيد لم يصح قوله إلا وهم مشركون فدل على أنه تعالى لم يرد الإيمان بالتوحيد إنما أراد الإيمان بالوجود انتهى . ( فإن قلت ) : فمن أين شقي الكفار ؟ ( فالجواب ) : شقوا بحكم القضاء الذي لا مرد له فلم يرجعوا إلى حالة الميثاق أبد الآبدين ودهر الداهرين وأيضا فإن الربوبية للّه تعالى فلم ينكرها أحد مطلقا وإنما أشركوا معها ربوبية أخرى وزادوا على ذلك تكذيب الرسل فشقوا الأبد . نسأل اللّه حسن الخاتمة من فضله وإحسانه . وقال الشيخ في الباب الرابع وأربعين وأربعمائة في قوله تعالى أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [ الزمر : 3 ] المراد بهذا الدين هو الدين الذي خلص لنفسه في وفاء العهدية وليس المراد به ما استخلصه العبد من الشيطان أو من الباعث عليه من خوف من نار أو رغبة في جنة فإنه قد يكون الباعث للمكلف على إخلاصه مثل هذه الأمور فيكون العبد من المخلصين ويكون الدين بهذا الحكم مستخلصا من يد من يعطي المشاركة فيه فيميل العبد به عن الشريك ولهذا قال تعالى حنفاء للّه أي غير مائلين به إلى جانب الحق الذي شرعه وأخذه على المكلفين من جانب الباطن إذ قد سماهم الحق تعالى مؤمنين في كتابه فقال في طائفة أنهم آمنوا بالباطل وكفروا باللّه فكساهم خلعة الإيمان فعلى هذا ليس اسم الإيمان خاصا بالسعداء ولا الكفر خاصا بالأشقياء من حيث الألفاظ وإنما ذلك من حيث المعاني فإن قرائن الأحوال هي التي تميز في العهد الخالص