عبد الوهاب الشعراني
479
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
فلما قال له موسى عليه السلام : راجع ربك بقي صلى اللّه عليه وسلم ، متحيرا من حيث إن شفقته على أمته تطلبه بالتخفيف عنهم لئلا يقعوا في الضجر والسآمة والكراهية من ثقل تلك التكاليف ، فلما بقي حائرا أخذ يطلب الترجيح أي الحالين أولى وهذا هو الاجتهاد فلما ترجح عنده أنه يراجع ربه رجع إلى قول موسى وأمضى ذلك في أمته بإذن من ربه عز وجل وكان في تشريع أمته الأحكام بإذن اللّه تأنيسا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، بما جرى منه لئلا يستوحش مع أن ما جرى من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، من التشريع فيه جبر لقلب موسى عليه السلام أيضا . فإن موسى لا بد إذا رجع إلى نفسه وخف عنه الحال الذي كان عليه من وفور الشفقة يجد اللّه تعالى الذي كلف أمة محمد بالخمسين صلاة أرحم بهم من موسى ويرى أن الخمسين كانت من أقل ما ينبغي لجلال اللّه عز وجل في العبادة ولم يستكثر بها على العبيد . وعلم أيضا أن اللّه تعالى لو أمضى عليهم الخمسين صلاة فلا بد أنه كان يقويهم على فعلها فإن القوة بيد اللّه ولا يكلف نفسا إلا وسعها ثم إن موسى عليه السلام ، لما ندم على قوله في شأن المراجعة جبر اللّه تعالى قلبه بقوله تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] . في آخر رجعة وآنسه باطلاعه على أن القول قبل ذلك كان معروضا يقبل التبديل ولذلك سرّ بهذا القول وعلم أن من القول الإلهي ما يقبل التبديل ومنه ما لا يقبله وعلم أن كلامه الذي كان ندم عليه من حيث معارضته لما فرضه الحق تعالى العليم الخبير ما وقع منه إلا حين كان القول معروضا لا حين حق القول منه تعالى فعلم أن في تشريع الاجتهاد للأئمة المجتهدين جبرا لقلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بالاجتهاد فصار له أسوة بهم وصار لهم أسوة به . فهذا كان منشأ الاجتهاد للمجتهدين . ( قلت ) : ومما جرأ الأئمة على استنباط الأحكام قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها » . فافهم . ( فإن قلت ) : فهل يجوز لأحد الطعن في قول مجتهد ؟ ( فالجواب ) : لا يجوز لأحد الطعن في حكم المجتهد لأن الشارع قد قرر حكم المجتهد فصار شرعا بتقرير اللّه إياه فمن خطأ مجتهدا بعينه فكأنه خطأ الشارع فيما قرره حكما وهذه مسألة يقع في محظورها كثير من أصحاب المذاهب لعدم استحضارهم لما نبهناهم عليه مع