عبد الوهاب الشعراني
444
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
( فإن قيل ) : فما الحكمة في كون الصحابة أقوى في الإيمان مع أنهم عاصروه صلى اللّه عليه وسلم ، ورأوا معجزاته وأخلاقه والقاعدة أن الإيمان بالغيب أشد في حق صاحبه من الإيمان بالحاضر ؟ ( فالجواب ) : أن قوة الإيمان إنما جاءت للصحابة من حيث أن الإنسان فطر على الحسد فإذا بعث إلى أمة رسول من جنسها ثار الحسد في الناس فلم يؤمن به إلا من قوي على دفع ما في نفسه من الحسد وحب الشفوف ولا سيما إذا كان الحاكم عليها من جنسها فكان إيمان الصحابة أقوى بهذا النظر لمشاهدة تقدم جنسهم عليهم أول الإسلام وكان اشتغالهم بما يدفع سلطان الحسد أن يقوم بهم مانعا لهم من إدراك غوامض العلوم والأسرار لنا ففاقونا بقوة الإيمان ، وجبر اللّه نقصنا بأن أعطانا التصديق بما نقل لنا عنهم فحصل لنا درجة الإيمان بالغيب في شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي لا درجة للصحابة فيه ولا قدم ، لأنهم شاهدوا الشارع وشهدوا أحواله ووقائعه ، فآمنوا وصدقوا على الشهود فما فضلونا إلا بقوة الإيمان والسبق وأما العلم والعمل فقد يساويهم غيرهم في ذلك فالحمد للّه الذي جاء بنا في الزمن الأخير وجبر قلوبنا بالتصديق وعدم الشك والتردد فيما وجدناه منقولا في أوراق سواد في بياض ولم نطلب على ذلك دليلا ولا ظهور آية ولو أننا جئنا في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما كنا نعرف كيف تكون أحوالنا عند مشاهدته هل كان يغلب علينا داء الحسد فلا نطيعه أم نغلب نفوسنا ونطيعه وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ الأحزاب : 25 ] . وقال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه في رسالته القديمة والصحابة رضي اللّه عنهم ، فوقنا في كل علم وإيمان وآراؤهم عندنا أجمل من آرائنا لأنفسنا انتهى . المبحث الرابع والأربعون : في بيان وجوب الكفّ عما شجر بين الصحابة ووجوب اعتقاد أنهم مأجورون وذلك لأنهم كلهم عدول باتفاق أهل السنة سواء من لابس الفتن ومن لم يلابسها كفتنة عثمان ومعاوية ووقعة الجمل وكل ذلك وجوبا لإحسان الظن بهم وحملا لهم في ذلك على