عبد الوهاب الشعراني

315

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

كما بلغنا أن شخصا من العارفين مر على جدار فانتحب عنده بالبكاء فقيل له : ما سبب هذا البكاء ؟ فقال : وقع لي أنني تيممت من تراب بغير إذن صاحبه وهذا الذنب لا يكاد يبكي عليه أحد ولو من صالحي زماننا فضلا عن غيرهم . وقال الشيخ محيي الدين في الباب السابع ومائتين من « الفتوحات » من حين نزل قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] . وتألم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من ذكر الذنب فما نزل عليه جبريل قط إلا في صورة دحية ، وكان قبل نزول هذه الآية ينزل عليه في أي صورة شاء وكان دحية أجمل أهل زمانه فكأن الحق تعالى يقول لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بلسان الحال : « ما بيني وبينك إلا صورة الجمال والحسن لأنك أعظم حبيب » . وفي آداب الملوك أنه ينبغي للوزراء أن لا يكون في أحد منهم عاهة من برص أو جذام أو تشويه خلقة وأن لا يحضر بين يديهم قط أحد في بدنه عاهة بل يقضون حاجته من غير أن يقفوه بين يدي السلطان فافهم . وكان من كمال دحية أنه ما رأته حامل دخل المدينة إلا ألقت ما في بطنها لما أدركها في نفسها من شهود ذلك الجمال وإنما لم تلق الحوامل ما في بطنها عند رؤية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مع أنه أجمل من دحية بما لا يتقارب لأنه مشرع والناس مأمورون برؤيته فستر اللّه تعالى جماله عن غالب الناس رحمة بهم بخلاف دحية لم يؤمر أحد برؤيته . ( فإن قلت ) : ما صورة تبديل السيئات بالحسنات هل تصير نفس المعصية التي وقعت حسنة في صحيفة العبد أم يصير العبد يطيع اللّه تعالى بعد أن كان يعصيه ؟ ( فالجواب ) : كما قاله بعض أهل الكشف : إن صور التبديل أن يبدل اسم السيئة في الصحيفة ويكتب مكانها حسنة تشاكلها فإن كانت المعصية كبيرة تكتب مكانها حسنة كبيرة أو كانت صغيرة ، كتب موضعها حسنة صغيرة وهذا الأمر أعظم عنايات اللّه تعالى بالعبد إن صح لأنه يعطي النفس حظها في الشهوات الدنيوية ثم يكتب اللّه تعالى له في صحيفة أعمالا صالحة لم يعلم عينها فعلم اللّه تعالى إذا بدل سيئات العارف حسنات رأى ذلك من أكبر النعم عليه . ( فإن قيل ) : فهل يصح أن يعصي أحد من الخواص ربه على الكشف والشهود إذا رأى