عبد الوهاب الشعراني

417

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

( فالجواب ) : إنما لم يتفقوا على ذلك لخفية القبح والقذر فيها وبعدها عن صورة لون الطعام والشراب بخلاف البول والغائط فإنهما يشبهان غالبا لون أصلهما . ( فإن قيل ) : فما وجه الأمر بالجمع بين الماء والتراب في نجاسة الكلب ؟ ( فالجواب ) : وجهه أن اللّه تعالى جعل سؤره نجسا يميت القلب إذا أكل أو شرب ومعلوم أن من مات قلبه صار لا يحن إلى موعظة ولا إلى خير ولا يهتدي لتوبة إذا وقع في ذنب وما كان يؤثر أكله أو شربه ما ذكر صح التعبير عنه بالرجس والنجس كما قال تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] فكما سماها رجسا من حيث ما تورثه من الصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة فكذلك صح تسمية سؤر الكلب نجسا بالنظر لما يورثه من القساوة في الإنسان ووجب علينا التباعد عنه فلذلك أمرنا الشارع بالجمع بين الماء والتراب في الغسل من سؤره أو غير ذلك من فضلاته لكون الماء والطين إذا اجتمعا أنبتا الزرع بخلاف أحدهما بمفرده إذا وضع على الحب لا ينبت ثمرة ولا يتم له نتاج فكذلك من غسل نجاسة الكلبة بالماء فقط أو التراب بأن مسحها به لا يزيل ذلك الأثر الذي يميت القلب . ( فإن قيل ) : فأيّ المذهبين أولى بالعمل من يقول : بطهارته أو من يقول : بنجاسته ؟ ( فالجواب ) : القائل بنجاسته أولى وأحوط في الدين وإن لم يصرح الشارع بنجاسته لفظا وقد تتبع الإمام البيهقي الأدلة على التصريح بنجاسة الكلب فلم يجده فاستدل على نجاسته بأنه صلى اللّه عليه وسلم ، نهى عن أكل ثمن الكلب . وقال : لولا نجاسته لما حرم اللّه تعالى علينا أكل ثمنه انتهى . ومما وقع أن سيدي عليا الخواص رحمه اللّه نهى شخصا من المالكية عن شرب لبن شرب منه الكلب فقال الفقيه مذهبي أنه طاهر فقال له الشيخ : إن شربت فضلته يميت قلبك فلم يسمع للشيخ فقسا قلبه تسعة شهور وصار يجيء للشيخ ويقول : يا سيدي تبت إلى اللّه فإن قلبي صار لا يحن إلى قراءة قرآن ولا علم ولا يستلذ بعبادة ، فقال له الشيخ : قد نهيتك فلم تسمع فلو لا أن هذا الفقيه ذاق العلة في نفسه لما آمن بكلام الشيخ وما رأيت أحدا نبه على هذه العلة غيره رضي اللّه عنه ، فإن قيل : فما الوجه الجامع بين أقوال الأئمة في التطهير بالماء المطلق والمستعمل وما ملحظهم في ذلك .