عبد الوهاب الشعراني

412

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

ليرى بنيه كيف يفعلون إذا وقعوا في محظور لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ترقيهم دائم فلا ينقلون قط من مقام أو حال إلا لأعلى منه كما مر بسطه في مبحث الأجوبة عن الأنبياء فراجعه . فكان حكم هذه الأكلة منسحبا على بنيه بالأصالة إلى يوم القيامة إلا من شاء اللّه تعالى لأن الشجرة كانت مظهرا لارتكاب بنيه النهي فعلا أو هما حراما أو مكروها أو خلاف الأولى ولكل أهل وإن تفاوتت مراتب الناس فأدونهم من يرتكب خلاف الأولى وأعلاهم من ارتكب أكبر الكبائر غير الشرك فإن الشرك لا كفارة له إلا التوبة منه والذي عندنا فيما ورد من إطلاق اسم المعاصي في حق الأنبياء فمحمول على خلاف الأولى لأنهم لا يتعدون قط مرتبة خلاف الأولى ، فمعاصيهم كلها من هذا الباب وإن فعلوا مكروها فإنما يفعلونه لبيان الجواز للأمة توسعة من اللّه عليهم فلهم في ذلك الأجر كما يؤجرون على بيان المباح بفعلهم له ، وأما معاصي غير الأنبياء فإن كان الولي محفوظا فحظه المكروه ما دامت العناية تحفه فإن تخلفت عنه العناية فقد يقع في الحرام أيضا وأما عامة الناس فربما يقعون في الثلاثة أحوال الحرام والمكروه وخلاف الأولى فعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لا يشاركون غيرهم في ارتكاب حرام ، ولا مكروه إلا لبيان الجواز ولكن لما شرف مقامهم سمى اللّه تعالى وقوعهم في خلاف الأولى معصية وخطيئة فافهم . فما من المكلفين من الأمة أحد إلا وقد وقع في النهي ولو في خلاف الأولى الذي هو كناية عن أكله من الشجرة فكانت جميع التكاليف في مقابلة وقوع بني آدم فيما ذكرنا وكان في أكل آدم من الشجرة ثم توبة اللّه عليه واجتبائه واصطفائه فتح باب الذلة والانكسار لبنيه وبيان أنهم كلهم تحت القضاء والقدر في كل ما يتحركون ويسكنون فيه من أمر ونهي ومباح . ولنبين لك أحكام التكاليف من حيث أنها كفارة من باب الطهارة إلى باب أمهات الأولاد فنقول وباللّه التوفيق : اعلم أن آدم عليه الصلاة والسلام ، لما أكل من شجرة النهي الذي هو فعل خلاف الأولى بغير إذن صريح من الباري جل وعلا في حال نسيانه وفي حال ظنه أن إبليس لا يحلف باللّه كاذبا سمى الحق تعالى ذلك معصية لعلو مقامه ثم بعد التوبة زاد في اعتنائه به بأنه جعل له مذكرا من نفسه لما وقع منه وهو البطنة القذرة المنتنة على خلاف ما كان عليه في تلك الجنة فكان آدم عليه السلام كلما أخذته البطنة من بول أو غائط أو ريح كريه تذكر ما وقع منه فزاد في الاستغفار إجلالا وتعظيما للّه عزّ وجلّ ولذلك جاءت شريعتنا