عبد الوهاب الشعراني
55
الجوهر المصون والسر المرقوم
وإنما يصح أن يقال أراد بهم أن لا يقوم بهم القيام فإن الإرادة متعلقها العدم والقيام عند طلبهم من ليس بقائم معدوم ولكن إن أراد اللّه سبحانه وقوع القيام من المأمور بالقيام أمر القيام بالكون فكان القيام موجودا بالأمر من المأمور وإن لم يرد سبحانه القيام من المأمور بقي الآخر يقتضى الطلب من غير أن يخلق القيام في المحل هذا ملخصه ومنها علم المغالطات وهل يغلط الحس أم لا والذي نذهب إليه أن الحس لا يغلط وإنما يغلط الحاكم على الحس بأمر ما إن كذا دون كذا وانظر إلى صاحب المرة الصفراء إذا غلبت عليه يأكل العسل فيجده مرا فإذا سئل الحس عنه قال أجد مرارة وهو صادق فإن محل الإدراك إنما أدرك المانع وهو المرة التي منعت من إدراك حلاوة العسل فالحس هنا غير غالط فيما أدركه ومنها علم المعاريج الإلهية لا سيما في الصلاة ومنه يعلم بصلاة الحق تعالى على العبد وهو أن يشهده أنه هو الذي أشهده ويريه أنه هو الذي فتح عليه عين بصيرته حتى رآه فإن كان العبد في هذا المقام فليعلم أن ذلك نتيجة صلاة الحق عليه وأن العبد حينئذ قبلة لحقيقة الحقائق في صلاته فإن الصلاة وصلة والعبد بباطنه مستقبل الحق تعالى في غير جهة بل كل الجهات عنده وجه وليحذر العبد من توهمه أن نفسه قد أحاطت بها الجهات كصورته الظاهرة ويبقى الحق تعالى في وهمه كالدائرة المحيطة به فإن نفسه ليست من عالم الحس بل كما يرى العبد نفسه في غير جهة كذلك يشهد ربه في غير جهة وأما ظاهر العبد فإنما يوجهه للقبلة المخصوصة وذلك رحمة من اللّه به ليجمع همه على الأمر لأنه لو لم يؤمر بالاستقبال وكان يكون على حسب اختياره لتبدد في اختياره وترجح عنده في كل وقت جهة ما وربما تكافأت في جهة الجهات فيحتاج إلى فكر واجتهاد في الترجيح فاختار له الحق تعالى ما يجمع همه ويريح قلبه مع أن الكامل يرى وجه الحق في كل شئ فإن قيل فكيف يميز الكامل الذي يشهد هذا المشهد بين المحظور وبين غيره قلنا شهود الحق في الباطن إنما هو شهود مطلق غير مقيد وليس في عالم الإطلاق تكليف ولا خطاب بابتلاء وأما عالم الحس المقيد فقد تعبد الحق تعالى العبد فيه بما يقتضيه أدب الموطن من الأمانة والوفاء بالعهد فإن