عبد الوهاب الشعراني
3
الجوهر المصون والسر المرقوم
مقدمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد . . فقد انتهج السادة الصوفية طريق الخلوة ( بفتح الخاء ) ليتخلص المريد من الآفات والعيوب التي تطرأ على قلبه وسلوكه وليتخلص من مكدرات الحياة كي يصفى فكره وقلبه وذلك بغرض الوصول إلى اللّه تعالى والوصول إلى الأسرار الإلهية والفتوحات الربانية التي تتجلى على المريد من هذه الخلوة فتتنزل عليه فيعلم ما لم يكن يعلمه وما لا يمكن أن يعلمه من شيخه أو من الكتب ، كما أنها إلهامات وكشوفات ربانية لا تحتاج إلى تأويل أو تعديل ولم تكن الخلوة من ابتداع الصوفية بل مذكورة ومنصوص عليها في الكتاب والسنة حيث قال اللّه تعالى إشارة لما فعله خليل الرحمن من خلوته في اعتزال قومه الذين لم يؤمنوا برسالته فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا « سورة مريم 49 » وقد ذكرت في الأحاديث النبوية بمعنى العزلة حيث روى البخاري ومسلم قال رجل يا رسول اللّه أي الناس أفضل قال : ( مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه . . قال : ثم من . . قال : ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره ) فالاعتزال والانعزال والخلوة عن الناس شئ معروف ومنصوص عليه في القرآن والسنة وكلها مترادفة في المعنى فالخلوة هي العزلة . ولكن فرق بعض الناس بين الخلوة والعزلة فقال بعضهم الخلوة من الأغيار والعزلة من النفس وما تدعو إليه ويشغل عن اللّه وهي أعم من الخلوة ، فالخلوة كثيرة الوجود ، والعزلة قليلة الوجود ولكن المعنى واحد والغرض واحد فكل منهما معناه الاعتزال عن الناس وتصفية الذهن والقلب