عبد الوهاب الشعراني

28

الجوهر المصون والسر المرقوم

تعالى عنه يطلب منه الوصول إلى مقام الصدق فأنشده ذو النون هذين البيتين : قد بقينا مذبذبين حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيلا فدعاوى الهوى تخف علينا * وخلاف الهوى علينا ثقيلا . . انتهى . . واعلم يا أخي أن من أعظم أركان الطريق الخلوة ولذلك بسطنا لك الكلام على أسرارها وعلومها وما تنتجه من الأحوال الشريفة وعلوم القرآن المنيفة من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة قل أعوذ برب الناس رحمة بك من أن تتصدر في الطريق من غير اجتماع الشروط فيك أو تدخل أحدا الخلوة وأنت لم تتحقق بنتائجها إذا علمت ذلك فمن نتائج الخلوة الصادقة أن يكشف للمختلى عن عالم الحس الغائب فلا يحجبه ظلمة ولا جدار عما يفعله الناس في البراري « 1 » . أو في قعور بيوتهم ومنها ان تتنزل عليه المعاني العقلية في الصور الحسية فيصير عنده المعقول محسوسا ومنها أن يؤتى في الخلوة بأوان فيها لبن وعسل وماء وخمر ويلهمه اللّه تعالى أن يشرب من اللبن والعسل دون الخمر والماء ومنها أن يتجلى له المذكور ويفنى الذكر في حضرة ذلك الشهود ومنها أن الحق تعالى يعرض عليه وظائف المملكة اللائقة به فلا يلتفت إليها ومنها أن يكشف له عن أسرار جميع الحيوانات حتى الحشرات وتسلم عليه وتخبره بما أودع اللّه تعالى فيها من الخواص والمنافع والضرر وتخبره بما تعبّدها اللّه تعالى به من أنواع التسبيح والتمجيد والتنزيه ومنها أن يكشف له عن سريان عالم الحياة التي هي سبب الأحياء وكيف تندرج العبادات في هذا السريان ومنها أن يكشف له عن دولاب الاستحالات فيعرف صور هياكلها ويعرف ويرى استحالة الكثيف لطيفا

--> - فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل ورده مكرما وكان المتوكل يقول ( إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذى النون ) وروى أحاديث عن مالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينة من كلامه سأله رجل فقال له متى تصح لي العزلة فقال له ذو النون إذا قويت على عزلة نفسك وقال أيضا لم أر شيئا أبعث على الإخلاص من الخلوة وقال ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة كمن احتجب عنهم باللّه الرسالة القشيرية ( 9 ) الطبقات الكبرى ج 1 / 59 المكنون في مناقب ذي النون ( 62 ) . ( 1 ) جمع برية والبرية الأرض المنسوبة إلى البر وهي تطلق على الصحراء لسان العرب ج 4 / 55 .