عبد الوهاب الشعراني

9

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

إليه شخص من أصحابي يأخذ عنه فوجده ممتقعا خوفا من شرر النار ، فقال في نفسه : لو كان هذا وليا للّه تعالى ما أحرقه شرر النار ، فقال له الشيخ : يا ولدي إنك استصغرتني وما بقيت تنتفع بكلامي ، فرجع إلى سهل وذكر له القصة ، فقال ما استصغر أحد فقيرا إلا حرم فوائده ارجع إليه بالحرمة فرجع إليه فانتفع بزيارته ، وعقد التوبة على أنه لا يعترض على فقير في حاله حتى يموت . فعلم أن كل مريد صحب الأشياخ على غير طريق الاحترام حرم فوائدهم وبركات نظرهم ، ثم لا يظهر عليه من آثارهم شيء ولو تكلف هو ذلك بل أفعاله تكذب دعواه . واعلم يا أخي أنه قل مريد يصدق مع شيخه الصدق الكامل فإنها طريق غيب غير محسوسة لا يسلك فيها إلا بالقلوب وأين من يتخذ قلبه مع قلب شيخه حتى يسير به في الغيب والأسرار ؟ هذا لا يكون إلا لمريد قد قارب مقام الشيخ في الأدب والانقياد حتى كان الشيخ محيي الدين بن العربي يقول : إذا صدق المريد مع الشيخ كان كل منهما تلميذا لصاحبه من وجه وشيخا له من وجه ، قال ويتشيخ إذا مات المريد قبل وصوله إلى المقام الذي كان عينه له أن ينزل إلى مرتبة المريد ويعمل عليه حتى يصل إليه ، فإذا وصل إلى ذلك المقام خلعه على المريد في قبره فيكمله به ، فيبعث من قبره كاملا ، والحمد للّه رب العالمين . ومن شأنه أن لا يكون عنده دلال على الشيخ خوفا أن يأمره بأدب فلا يمتثل أمره ، فإن ذلك من علامة عدم إفلاحه ، بل من شأن المريد الصادق أن يجهد على أن يكون جلوسه على باب الشيخ رجاء أن يقع بصر الشيخ عليه كلما خرج ، فربما يغمره بنظره إليه أكثر من مجاهدته فيا سعادة من كانت خلوته تجاه باب الشيخ . ومن شأنه إذا تعذر عليه الفتح أن يقيم العذر لشيخه ، ويجعل اللوم على نفسه دون شيخه ، ويقول : النقص مني ، وقد قال تعالى لسيد المرسلين : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » فإذا كان سيد المرسلين بهذه المثابة فكيف شيخي ؟ فإن اللّه غالب على أمره ، ولم يزل أهل كل عصر يعترفون بالقصور عن مقام من تقدمهم من أسلافهم . وقد قال القشيري في أول رسالته التي أملاها في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة : اعلموا أيها الإخوان أن المتحققين من هذه الطائفة قد انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطريق إلا آثارهم ، ثم أنشد : أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائهم ! ! ثم قال : حصلت الفترة في الطريقة ؟ لا ، بل اندرست الطريقة ، مضى الشيوخ الذين كان لهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسننهم اقتداء ، وزال الورع وطوي بساطه ، واشتد الطمع وقوي رباطه ، وارتحلت عن القلوب حرمة الشريعة ، حتى عدوا قلة