عبد الوهاب الشعراني
21
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : لو أن العالم أتى إلى الصوفية خالصا من العلل والأمراض لأوصلوه إلى حضرة اللّه في لحظة ، ولكنه أتاهم بأمراض وعلل ظاهرة وباطنة من دعوى العلم ، ومحبة الدنيا وشهواتها ، وباطنه مملوء من الحسد ، والمكر ، والخداع ، والحقد ، والغش وغير ذلك ، فلذلك أمروه بعلاج ذلك ليتطهر منه ، فإنها أخلاق الشياطين . وقد أوضحنا ذلك في مقدمة كتابنا المسمى « مشارق الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية » . ومن شأنه أن يلزم كليا جمع قلبه على اللّه تعالى ويترك كليا تشتيت قلبه عن اللّه بأن يلزم المأمورات ويترك المنهيات ، فلا يرى إلا في فعل واجب أو مندوب أو أولى ، ويجتنب الحرام والمكروه وخلاف الأولى ؛ وذلك لأن اللّه عز وجل يرفع الحجاب عنا في المأمورات ويسد له علينا في المنهيات ، فلو أردنا أن نحضر بقلوبنا معه في حرام ، أو مكروه ، أو خلاف الأولى ، لا نقدر ، ولو أردنا أن نحتجب عن شهودنا له في واجب أو مستحب أو أولى لا نقدر ولا يصح لنا ذلك إلا إن طرأ على المأمور رياء أو عجب ونحو ذلك ، فإنه حينئذ يخرج عن قسم المأمور ، ويصير من قسم المنهي ، فتأمّل ذلك فإنه نفيس . ومن شأنه أن لا يتساهل بهجر شيخه ، فقد قال سيدي محمد وفا رحمه اللّه : كل مريد هجره أستاذه فلم يتأثر من ذلك ولم يشتق إليه ولم يبادر لتطييب خاطره عليه ، فقد مقته اللّه ومكر به . وكان سيدي أبو العباس المرسي رحمه اللّه يقول : عمدة أحوال المريد صدقه في محبة أستاذه ، وكل مريد خاف من أحد من الخلق مع وجود أستاذه فهو كاذب في استناده إليه ، فإن المريد مع شيخه كولد اللبوة في جحرها ، أفتراها تاركة ولدها لمن يريد اغتياله ؟ لا واللّه . وكان يقول : لا تطالبوا الشيخ بأن يكون خاطره معكم ، بل طالبوا أنفسكم بأن يكون الشيخ في خاطركم ، فعلى مقدار ما يكون عندكم تكونون عنده ، لأن همته مصروفة إلى حضرة الحق تعالى لا إليكم ، فالمريد هو الذي يتعلق بشيخه ، لا أن شيخه يتعلق به . وكثيرا ما يقع من أصحابي الصادقين أنهم يشهدوني معهم في البلاد البعيدة كمصر ومكة والمدينة والروم ، ويصيرون يحلفون باللّه أنهم رأوني هناك يقظة ومناما فأعرف بذلك صدق ارتباطهم بي ، فإني ما علمت أني رحت إلى تلك البلاد إلا منهم ولو كنت رحت حقيقة لكنت أعلم بذلك ، فمن صدق اعتقادهم تخيلوني عندهم .