عبد الوهاب الشعراني
7
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
يد شيخه ، وعن بحار علوم شيخه فيقول : « وكانت مجاهداتي على يد سيدي علي الخواصّ كثيرة ومنوعة ، منها أنه أمرني أول اجتماعي عليه ببيع جميع كتبي والتصدق بثمنها على الفقراء ففعلت ! وكانت كتبا نفيسة مما يساوي عادة ثمنا كثيرا فبعتها وتصدقت بثمنها ، فصار عندي التفات إليها لكثرة تعبي فيها وكتابة الحواشي والتعليقات عليها ، حتى صرت كأنني سلبت العلم ، فقال لي : اعمل على قطع التفاتك إليها بكثرة ذكر اللّه عز وجل ، فإنهم قالوا : متلفت لا يصل ، فعملت على قطع الالتفات إليها ، حتى خلصت بحمد اللّه من ذلك . ثم أمرني بالعزلة عن الناس مدة حتى صفا وقتي ، وكنت أهرب من الناس وأرى نفسي خيرا منهم ، فقال لي : اعمل على قطع أنك خير منهم ، فجاهدت نفسي حتى صرت أرى أرذلهم خيرا مني . ثم أمرني بالاختلاط بهم والصبر على أذاهم وعدم مقابلتهم بالمثل ، فعملت على ذلك حتى قطعته ، فرأيت نفسي حينئذ أنني صرت أفضل مقاما منهم ، فقال لي : اعمل على قطع ذلك ، فعملت حتى قطعته . ثم أمرني بالاشتغال بذكر اللّه سرا وعلانية ، والانقطاع بالكلية إليه ، وكل خاطر خطر لي مما سوى اللّه عز وجل صرفته عن خاطري فورا فمكثت على ذلك عدة أشهر » . ويفيض الشعراني في الحديث عن المجاهدات التي أخذه شيخه بها ، وعن الفتح الذي ظفر به على يديه ، وعن بحار علوم شيخه ، وعن اغترافه من هذه البحار الزاخرات . وبهذا كله أصبح الشعراني إمام عصره علما وذوقا ، وغدا الشعراني قطبا تدور حوله الأحداث . مكانة الشعراني : أصبحت زاوية الشعراني التي أسسها ليتلقى فيها الطلاب علوم الظاهر مع أذواق الباطن ، من أعظم منارات العلم والثقافة والتوجيه في العالم الإسلامي في ذلك الوقت . وغدت مثابة للعلماء والأدباء ، ومنبرا للدعوة والإرشاد ، وساحة للذكر والعبادة ، ورواقا يرسل الشعاع الروحي النقي في عصر انطفأت فيه المصابيح ، وخمدت مشاعل الحياة . وأصبح الشعراني قطب الرحى في عصره ، يلوذ به طلاب العلم ، وطلاب الذوق ، كما يلجأ إليه أصحاب الحاجات والشفاعات ، وعلى باب الزاوية يزدحم الأمراء والكبراء .