عبد الوهاب الشعراني
29
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وروى أبو داود مرفوعا : « لأن أقعد مع قوم يذكرون اللّه تعالى من صلاة الغد حتى تطلع الشمس ، أحبّ إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ، ولأن أقعد مع قوم يذكرون اللّه تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس ، أحبّ إلي من أن أعتق أربعة » . قال علماؤنا : وتخصيص الرقبة بولد إسماعيل لأن كل رقبة من ولد إسماعيل باثنتي عشرة رقبة من سائر الرقاب . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « قلت يا رسول اللّه ، ما غنيمة مجالس الذكر ؟ قال : غنيمة مجالس الذكر الجنة » قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : وهذا الحديث وأمثاله ملحق بدرجة الأمر ، لأن كل فعل مدحه الشارع ، أو مدح فاعله لأجله أو وعد عليه بخير عاجل أو آجل ، فهو مأمور به ، لكنه رضي اللّه عنه تردد بين الإيجاب والندب ، والأحاديث في ذلك كثيرة . وأجمع العلماء سلفا وخلفا ، على استحباب ذكر اللّه تعالى جماعة في المساجد وغيرها ، من غير نكير ، إلا إن شوش ذكرهم بالذكر على نائم أو مصل أو قارىء ، أو نحو ذلك مما هو مقرر في كتب الفقه . وقد شبه الإمام الغزالي ، ذكر الإنسان وحده ، وذكر الجماعة ، بأذان المنفرد وأذان الجماعة ، قال : « فكما أن أصوات المؤذنين جماعة ، تقطع جرم الهواء أكثر من صوت مؤذن واحد ، كذلك ذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا في رفع الحجاب من شخص واحد » وأما من حيث الثواب فلكل واحد ثواب نفسه وثواب سماع رفيقه . ووجه كون الذكر جماعة أكثر تأثيرا في رفع الحجب الكثيفة ، كون الحق تعالى شبه القلوب بالحجارة ، ومعلوم أن الحجر الكبير لا ينكسر إلا بقوة جماعة مجتمعين على قلب واحد ، لأن قوة الجماعة أشد من قوة الشخص الواحد ، ومن هنا اشترطوا في الذكر أن يكون بقوة تامة ، واستدلوا بقوله تعالى : « ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » فكما أن الحجر لا ينكسر إلا بقوة ، كذلك الذكر لا يؤثر في جمع شتات قلب صاحبه إلا بقوة . فإن قيل أيما أفضل ذكر لا إله إلا اللّه ، أو زيادة محمد رسول اللّه ؟ فالجواب : الأفضل في ذكر السالكين ، ذكر لا إله إلا اللّه ، دون محمد رسول اللّه ، حتى يحصل لهم الجمعية مع اللّه تعالى بقلوبهم ، فإذا حصلت ، فذكر محمد رسول اللّه مع ذلك أفضل . وبيان ذلك أن محمدا رسول اللّه إقرار ، والإقرار يكفي في العمر مرة واحدة ، والمقصود من تكرار التوحيد كثرة الجلاء لحجب النفوس ، على أن قول العبد لا إله إلا اللّه ، امتثال لقول رسول اللّه « قل لا إله إلا اللّه » هو عين إثبات رسالته ، ولهذا اقتصر في بعض الروايات على قول لا إله إلا اللّه فقال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها فقد عصموا