عبد الوهاب الشعراني
21
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وأخذتها أنا بحمد اللّه عن الشيخ نور الدين الشنواني وقال : إن من شرطها أكل الحلال ، وعدم الاشتغال بشيء آخر معها سوى ما أذن له فيه شرعا ، فالحمد للّه رب العالمين . آداب الذكر وأما بيان آداب الذكر وبيان ثمرة التلقين فاعلم يا أخي أن كل عبادة خلت عن الأدب فهي قليلة الجدوى ، وأجمع الأشياخ أن العبد يصل بعبادته إلى حصول الثواب ودخول الجنة ، ولا يصل إلى حضرة ربه إلا إن صحبه الأدب في تلك العبادة ، ومعلوم أن مقصود القوم ، القرب من حضرة اللّه الخاصة ، ومجالسته فيها من غير حجاب ، وأما الثواب فحكمه حكم علف الدواب ، قال تعالى : « أنا جليس من ذكرني » « 1 » يعني ذكرني على وجه الأدب والحضور ، والمراد بالمجالسة انكشاف الحجب للعبد ، أنه بين يدي ربه عز وجل ، وهو تعالى يراه ، فمتى دام على العبد هذا الشهود فهو جليس اللّه تعالى ، فإن غاب عن ذلك المشهد ، خرج من حضرته . فافهم ! فليس المراد بحضرة الحق تعالى مكانا مخصوصا في الأرض والسماء ، كما قد يتوهم ، فإن الحق تعالى لا تحويه السماوات تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، فلا يزال العبد يكثر من الذكر باللفظ حتى يصير الحق تعالى مشهوده ، وهناك وضح الفتح لأن الذكر للّه حقيقة ، هو استصحاب شهود العبد أنه بين يدي ربه ، والذكر باللسان إنما هو وسيلة إليه ، فإذا حصل له الشهود استغنى في طلب الحضور عن ذكر اللسان ، فلا يذكر باللفظ إلا في محل يقتدى به فيه لا غير ، لأن حضرة شهود الحق تعالى حضرة بهت وخرس يستغني صاحبها عن الذكر ، إذ هو بمنزلة الدليل ، فإذا حصلت الجمعية بالمدلول ، استغنى العبد عن الدليل . وأجمعوا على أنه لا ينبغي لشيخ أن يلقن المريد تلقين السلوك ولذلك المريد علاقة دنيوية ، لأنه يعرضه بذلك للخيانة ، وأجمعوا على أن عمدة الطريق الإكثار من ذكر اللّه عز وجل ، حتى لا يكون للمريد شغل إلا به وحده ، وما أذن فيه ، وقالوا : إن الذكر منشور الولاية ، أي مرسوم من اللّه للعبد بالولاية ، كمراسم ملوك الدنيا بالوظائف ، وللّه المثل الأعلى ؛ فمن وفّق لدوام ذكر اللّه تعالى فقد أعطي المرسوم بأنه ولي اللّه عز وجل ، ومن يسلب عن الذكر فقد عزل عن الولاية . وأجمعوا على أن الفتح في الليل أقرب منه في النهار ، وقالوا : كل من لم يذكر اللّه من غروب الشمس إلى الصباح في مجلس واحد ما عدا وقت الصلاة ، فلا يجيء منه شيء في الطريق .
--> ( 1 ) من حديث قدسي .