عبد الوهاب الشعراني
31
آداب الصحبه
اعلم - وفقني اللّه وإياك إلى ما يحب - أن الصحبة في اللّه تعالى من أوثق عرى الإسلام ، ومن أكبر أبواب الخير ، وقد رغّبت العلماء فيها سلفا وخلفا . وأما من حذّر منها وقال : إن العزلة أقرب للسلامة من الآفات ، وأبعد من تحمل الحقوق في المخالطات ، وأجزم للاشتغال بالطاعات ، فإنما ذلك في حق المريد ما دام قاصرا . فإذا انتهى سلوكه ، وكمل حاله بأن صار يشهد اللّه [ تعالى ] مع خلقه كان الأفضل في حقه الخلطة ، بل الخلطة في حق مثل هذا واجبة كما قال بعضهم . لكن العارف في أواخر عمره يحنّ إلى الوحدة كالبداية ، فلا يصير له وقت يسع الناس ، كما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم حين أنزلت عليه سورة النصر « 1 » ، فعلم أنه لا يقال : العزلة أفضل مطلقا . ثم لا يخفى أن صحبة الأدنى للأعلى ليست بصحبة في الحقيقة ، وإنما هي تعليم وخدمة ، إذ صاحب الإنسان هو من / يشرب من بحره ويحيط بمقامه فإطلاق الصحبة 2 / أبين المريد والشيخ ، والصحابي والرسول إطلاق مجازي لا حقيقي . إذا علمت ذلك فنورد عليك شيئا من : الأخبار الواردة في فضل المتحابين في اللّه ؛ لأن القلب يقوى الاطلاع على الدليل . فروى الشيخان في صحيحيهما : « سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في اللّه اجتمعا عليه وتفرّقا
--> ( 1 ) أخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها - كتاب التفسير - قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن نزلت عليه ( إذا جاء . . . . . . . . . ) « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي » ( 3 / 1794 ) برقم ( 4683 - 4684 ) . وذكر ابن كثير في « تفسيره » عن ابن عباس قال : نعيت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفسه حين نزلت عليه سورة النصر فأخذ بأشد ما كان قطّ اجتهادا في أمر الآخرة ( 7 / 394 ) . وذكر القرطبي في « تفسيره » مثل ذلك عن عكرمة ( 10 / 206 ) .