علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
59
نسمات الأسحار
يا هارون قعدت على السرير ولبست الوثير وأسلبت سترا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين ، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون ، ويشربون الخمر ويضربون من شربها ، ويزنون ويجلدون الزاني ، ويسرقون ويقطعون السارق ، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكم بها على الناس ، فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادى من قبل اللّه : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ، أين الظلمة وأعوان الظلمة ، فتقدمت بين يدي اللّه تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك ، والظالمون حولك وأنت أمامهم ، ولهم سائق وإمام إلى النار ، وكأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك ، على سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة ، فاتق اللّه يا هارون في رعيتك واحفظ محمدا صلى اللّه عليه وسلم في أمته . واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك ، وكذا الدنيا تتنقل بأهلها واحدا بعد واحد ، فمنهم من تزود زادا نفعه ومنهم من خسر دنياه وآخرته ، وإياك إياك أن تكتب إلىّ بعد هذا فلا أجيبك والسلام ! . قال : وألقى إلىّ الكتاب منشورا غير مطوىّ ولا مختوم ، فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة ، وقد وقعت الموعظة من قلبي ، فناديت : يا أهل الكوفة ، فأجابوني . فقلت : يا قوم من يشترى رجلا هرب إلى اللّه ، فأقبلوا بالدنانير والدراهم . فقلت : لا حاجة لي بالمال ولكن جبة صوف وعباءة قطوانية فأتيت بذلك ونزعت ما كان علىّ من اللباس الذي كنت أجالس به أمير المؤمنين وأقبلت أقود البر دون الذي كان معي فأتيت باب الرشيد حافيا راجلا فتهزأ بي من كان واقفا على باب الخليفة ، ثم استؤذن لي فلما أبصرني على تلك الحالة ، قام وقعد وجعل يلطم على رأسه ووجهه ويدعو بالويل والثبور والحزن ، ويقول : انتفع الرسول وخاب المرسل ، ما لي وللدنيا ، والملك يزول عنى سريعا ، فألقيت الكتاب مثل ما دفع إلىّ فأقبل هارون يقرؤه ، ودموعه تنحدر على وجهه ، ويقرأ ويشهق ، قال بعض جلسائه : لقد اجترأ عليك يا أمير المؤمنين ، فلو وجهت إليه فأثقلته في الحديد ، وضيقت عليه السجن ، كنت تجعله عبرة لغيره ، فقال هارون : اتركوا