علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

47

نسمات الأسحار

كانت تسمع قول زوجها يحيى فإنه كان يقول : إذا أقبلت الدنيا فانفقوا منها فإنها لا تفنى وإذا أدبرت فانفقوا منها فإنها لا تبغى وكان يقول إذا أدبر الأمر كان العطبا في الحيلة ولقد صدق فكان أمر البرامكة كذلك . انتهى . قلت : فاعتبر أيها الأعمى فقد نصبت لك الأدلة دليلا دليلا أما علمت أنه من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا . واعلم أن المحذور لا يجئ من المقدور ألا ترى أن الهدهد أعطاه اللّه تعالى قوة البصر حتى ذكر العلماء أنه يبصر الماء تحت الأرض ويراه كما يرى في الزجاجة ويعرف قربه وبعده وكان دليل سليمان عليه الصلاة والسلام على الماء وكان ينقر الأرض ثم تجىء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء ومع هذا لا يغنى عنه ذلك عند حلول القضاء والقدر الذي ليس عنه محيد فينصب له الشرك فلا يبصره ولا يشعر بنفسه إلا وقد صيد ، ولهذا استشكل هذا الخبر على ابن عباس نافع بن الأرزق كما قاله محيى السنة في معالمه : وقال له : يا وصاف انظر ما تقول إن الصبى منا يصنع الفخ ويحثو عليه التراب فيجىء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه ، فأجابه ابن عباس رضى اللّه عنهما : بحسن نظر وقال له : ويحك إن القضاء إذا جاء حال دون البصر . وفي رواية : « إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمى البصر » . وأقول : هذا مما لا شك فيه وهو كالشمس لمعاينيه فكم من متق حذر ما أفاده حذره وتقواه ووقع في المحذور الذي قدره اللّه له مولاه فافتكر بذهن حاضر في قول القائل - من البحر الوافر - : يريد المرء أن يؤتى مناه * ويأبى اللّه إلا ما أرادا يقول المرء فائدتى وكسبى * وتقوى اللّه أفضل ما استقادا فالمراد مراد اللّه والتقدير ما قدره اللّه هذا الذي أعتقده ويجب اعتقاده ولا يخفى الكلام في القدر ولسنا بصدده فليراجع من محنة وإنما القصد التفكير في أحوال الدنيا وأن الحوادث تجرى على الإنسان فيها بغير اختياره فلا حيلة للعاقل ولا قوة للفطن في دفع ما قدره اللّه عليه ولا جلب ما لم يقدر له .