علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
33
نسمات الأسحار
له حتى نزلا بالأبواء ، فقام رفيقه وأخذ السفرة ، وانطلق إلى السوق يبتاع شيئا وقعد سليمان في الخيمة ، وكان من أجمل الناس وجها وأورع الناس ، فبصرت به أعرابية من قبلة الجبل فلما رأت جماله وحسنه انحدرت وعليها البرقع والقفازان فجاءت فوقفت بين يديه وأسفرت عن وجهها كأنه فلقة قمر فقالت : هبني فظن أنها تريد طعام فقام إلى فضل السفرة ليعطيها فقالت : لست أريد طعاما أريد ما يكون من الرجل لأهله فقال : جهزك إلىّ إبليس ، ثم وضع رأسه بين كميه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكى فلما رأت المرأة ذلك سدلت البرقع على وجهها ورفعت رجليها حتى رجعت إلى خيمتها فجاء رفيقه ورآه قد انتفخت عيناه من البكاء وانقطع حلقه قال : ما يبكيك ؟ قال : خير ذكرت صبيتى ، فقال : لا إلا أن يكون لك قصة إنما عهدك لصبيتك منذ ثلاث أو نحوها فلم يزل به رفيقه حتى أخبره بشأن الأعرابية فوضع السفرة وجعل يبكى بكاء شديدا فقال له سليمان : وأنت ما يبكيك ؟ قال : أنا أحق بالبكاء منك لأنى لو كنت مكانك لما صبرت عنها فلم يزالا يبكيان فلما انتهى سليمان إلى مكة وطاف وسعى أتى الحجر واحتبى بثوبه فنعس فإذا رجل وسيم جسيم جميل طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة فقال سليمان : من أنت رحمك اللّه ؟ فقال : أنا يوسف قال : يوسف الصديق ؟ قال : نعم قال : إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لشأنا عجيبا ، فقال له يوسف : شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب . ونقل هاتين الحكايتين شيخنا في غاية المرام في ترجمة عمر بن الخطاب « 1 » . قال زيد بن أسلم عن أبيه : بينما عمر بن الخطاب يعس بالمدينة إذ علا فالكا على جانب جدار فإذا امرأة تقول لابنتها : قومي إلى اللبن فاخلطيه بالماء فقالت : يا أماه ما علمت ما كان من أمير المؤمنين اليوم . قالت : وما كان من أمره . قالت : أمر مناديا ينادى أنا لا يشاب اللبن بالماء فقالت : قومي فاخلطى فإنك بموضع لا يراك عمر ولا مناديه . فقالت : واللّه لا أطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء ، وعمر يسمع كل ذلك . فقال : يا أسلم علم الباب فلما أصبح قال : يا أسلم ائت الموضع ، وانظر من القائلة ومن المقول لها ، وهل القائلة ذات زوج ؟ فأتى الموضع
--> ( 1 ) في ( أ ) « عمر بن عبد العزيز » بدل « عمر بن الخطاب » ، والصواب ما أثبتناه .