علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

318

نسمات الأسحار

إذا خشي الفتنة ، ومكروه إذا لم يخشها ، اللهم إلا أن يكون قاصدا نكاحها ، أو شرائها إن كانت أمة فلا بأس . ويحك أيها المسكين غص بصرك قبل أن تحشى مسامير من نار ، وتجازى بكل لمحة متعمدا لفحة في نار جهنم غدا . واعلم أن النظر إلى الأمرد الحسن حرام على المختار المفتى به ، سواء كان بشهوة أو بغيرها ، إلا لضرورة التعليم والمعاملة ، كما أن النظر إلى الشعر المنفصل والظفر أو العضو من المرأة الأجنبية فضلا عن المتصل بها ، فمن كان طرفه مرسلا في النظر إلى ما حرم اللّه تعالى ، وسمعه كذلك ويده ورجله وسائر أعضائه ، ثم اشتغل بحفظ حكياتهم ونقل كراماتهم كان مثاله مثال من حسب مال الغنى وتعجب من كثرته ، فما أعظم جهله ، وما أقبح فعله ، فيقال : للمتعجب من مال الغنى باشر ما باشر ، وسافر كما سافر ، وارتكب ما ارتكبه من المخاوف والمكائد والتعب تنل ما ناله وجمعه من الدراهم والذهب ، وكذلك يقال للغنى المتشغل بذكر مناقب الولي راضيا بحفظها ، قانعا بسردها اسلك ما سلكوا ، تدرك ما أدركوا أو اتعب ، فإن لذيذ العيش بالتعب قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، فإن قال : هذا ليس بالتعب ولا بالسبب ، وإنما هو بالقسمة الأزلية والخصيصة الربانية ، فيقال له : لا شك في ذلك ، ولكن مولانا سبحانه وتعالى جعل مفتاح الهداية والمشاهدة الأخذ بالعمل والمجاهدة : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، وقال تعالى : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] ، وقال تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف : 72 ] ، فإن قلت : أجعلت الاشتغال بذكر الصالحين من تلبيس الشيطان ، وقد قيل فيهم عند ذكرهم تنزل الرحمة ، وقال تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [ يوسف : 111 ] . فنقول : الاشتغال بذلك فيه مصلحة ومفسدة على كل حال ، فاشتغال الإنسان بمجاهدة نفسه ، وتطهير قلبه أهم وأولى ، أما المصلحة فهي محبتهم ، وفي الحديث : « المرء مع من أحب » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 8 / 48 ) ، ومسلم في صحيحه ( 2640 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 392 ) عن عبد اللّه بن مسعود .