علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

292

نسمات الأسحار

فكيف لعن ؟ وأقول والحق أقول إن شاء اللّه : السكوت أسلم ، فإن الساكت لا ينسب إليه قول لما نقل عن إمامنا الشافعي رضى اللّه عنه . وقد قال سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » « 1 » . وأنت خبير أن اللعن ليس بخير ، كيف وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تلاعنوا بلعنة اللّه ، ولا بغضبه ، ولا بجهنم » « 2 » . وعن عائشة رضى اللّه عنها قالت : سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر رضى اللّه عنه يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه فقال : يا أبا بكر ألعّانين وصدّيقين ؟ كلا ورب الكعبة ، ألعّانين وصديقين ؟ كلا ورب الكعبة ، مرتين أو ثلاثا ، فأعتق أبو بكر رضى اللّه عنه بعض رقيقه ، وجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : لا أعود » « 3 » . فتأمل كيف عبر صلى اللّه عليه وسلم باستفهام الإنكار إشارة إلى أن بين مقام اللعن ومقام الصديقية مانعة جمع ، فكما أن اللعان لا يكون صديقا ، كذلك الصديق لا يكون لعانا ، ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللعانين لا يكونوا شفعاء ولا شهداء يوم القيامة » . ثم تأمل كيف أتى بحرف الردع أعنى « كلا » المركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية ، وإنما شددت لأنها لتقوية المعنى ، ولرفع توهم بقاء معنى الكلمتين البسيطة عند غيره ، ومعناها انته عن هذه المقالة ، وأبو بكر رضى اللّه عنه وإن لم يكن منكرا لامتناع اجتماعية الصديقية واللعن ، لكن نزل منزلة المنكر لما لاح عليه من الأمر . وهو لعن بعض رقيقه فهو على حد قول الشاعر - من البحر السريع - :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 8 / 13 ، 39 ، 125 ) ، ومسلم في صحيحه ( 47 ) ، والترمذي في سننه ( 2500 ) ، وابن ماجة في سننه ( 3971 ) كلهم طرفا في حديث عن أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه أبو داود في سننه ( 4906 ) ، والترمذي في سننه ( 1976 ) بلفظ ( ولا بالنار ) بدل ( ولا بجهنم ) وقال أبو عيسى : حديث حسن صحيح . والطبراني في المعجم الكبير ( 7 / 251 ) بسياق الترمذي عن سمرة بن جندب . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( 320 ) عن عائشة .