علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

261

نسمات الأسحار

ثم إياك من المزاحمة على مجالسهم فإنها أثيمة ، واعتزلهم فإن العزلة عنهم غنيمة ، وعليك بخويصة نفسك فإني لك من الناصحين ، ولا تكابر فقد كابرت قبلك ولم أمتثل قول المجربين حتى ألهمني اللّه من عنده وأفاض على من رفده فيا ندماه على عمر أفنيته في البطالة ظنا منى أنى مشتغل ، كلا بل في الجهالة ، واعلم أن أقل درجات العالم كما نقله أستاذ الأطباء أبو حامد الغزالي في الإحياء سقى اللّه ثراه ، وجمعنا في مستقر الرحمة وإياه أن يدرك حقارة الدنيا ونزارتها وخستها وكدورتها وانصدامها ، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها ، وجلالة ملكها ويعلم أنهما متضادتان ، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحديهما أسخطت الأخرى ، وأنهما ككفتى الميزان ، مهما رجحت إحديهما خفت الأخرى ، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من إحديهما بعدت من الأخرى وأنهما كقدحين أحدهما مملوء ، فيقدر ما تصبّه في الآخر حتى يفرغ يمتلئ من الآخر ، فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها ، وامتذاج لذتها بالمهانة ، ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل ، فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك فكيف يكون من العلماء من لا عقل له ، ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان ، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له ، ومن لا يعلم مضادة الدنيا والآخرة ، وأن الجمع بينهما طمع في غير مطمع فهو جاهل بشريعة الأنبياء كلهم ، بل هو كافر بالقرآن من أوله إلى آخره ، فكيف يعد من زمرة العلماء ، ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان ، قد أهلكته شهوته ، وغلبت عليه شقوته ، فكيف يعد من أحزاب العلماء من هذه درجته . وفي أخبار داود صلى اللّه عليه وسلم : إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتى ، يا داود لا تسأل عنى عالما قد أسكرته الدنيا ، فيصدك عن طريق محبتي ، أولئك قطاع طريق عبادي . قال الحسن رحمه اللّه : عقوبة العلماء موت قلوبهم ، وموت قلوبهم طلب الدنيا بأعمال الآخرة ، ولذلك قال يحيى بن معاذ : إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلبت الدنيا بهما . وقال عمر رضى اللّه عنه : إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم فإن