علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
184
نسمات الأسحار
كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة : 23 ] يعنى إبليس من المعصية ، وكان اسم إبليس عزازئل بالسريانية وبالعربية الحارث ، فلما استكبر عن السجود غير اسمه وصورته فقيل له : إبليس لأنه أبلس من رحمة اللّه أي يئس منها والذي عليه أكثر المفسرين أنه من الملائكة . وقال الحسن : كان من الجن فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس واحتج بوجوه : منها : أنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور ، ومنها : أن له ذرية ولا ذرية للملائكة . أجاب من قال بالأول عن قوله كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة أو من الذين يعملون في الجنة ، وقيل : من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى أهل الجنة ، وعن قوله : أنه خلق من النار ، أن فرقة من الملائكة خلقوا من النار وسموا جنا لاستتارهم عن الأعين ، وإبليس كان منهم . وعن قوله : إن له ذرية أن الذرية إنما جاءت بعد خروجه من الجنة . وبالجملة لما أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم على الأصح وقيل للّه وجعل آدم قبلة كالكعبة فامتثلت الملائكة الأمر وخروا سجدا فأبى لعنه اللّه واستكبر فسأله جل جلاله وهو أعلم ما منعك أن لا تسجد ؟ قال : أنا خير منه لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين والنار خير من الطين فأخطأ في قياسه أما علم أن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، وأيضا الطين أفضل من النار من وجوه : منها : أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة السابقة له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية ، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة السابقة إلى الاستكبار والإصرار فأورثه اللعنة . ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ، والتراب سبب الحياة إذ به حياة النبات والأشجار والنار سبب الهلاك ، والتراب وإن كان مظلما فهو ساتر العيوب والنار وإن كانت مضيئة فهي تظهر الفضائح والعيوب ، والتراب يطفئ النار ولهذا كان آدم سببا لإطفاء رونق إبليس ، والتراب فيه أمانة والنار فيها خيانة فإنك