علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
18
نسمات الأسحار
فقيل له : لو رجعت راكبا وأخذت السوط فقال : إني استأجرتها لتمشى هاهنا يعنى أمامها لا هاهنا يعنى خلفها . ومنها : أنه كان من عادته أن يقتنى الخيل المثمنة للجهاد وكان مداوما على أداء الصلوات الخمس في أول أوقاتها ، فحان وقت الصلاة في بعض أسفاره فنزل عن الفرس وصلى ، وانفلتت فرعت في زرع قوم شيئا يسيرا ، فأبى أن يركب الفرس لكونه دخل جوفها مال الغير وجعلها في سبيل اللّه وتركها ومضى . فرحمة اللّه عليه ، هذا هو الورع ، هكذا هكذا وإلا فلا ، وكأنه المعنى بقول القائل - من البحر الوافر - : بأبه اقتدى عدى في الكرم * ومن يشابه أباه فما ظلم فإن أباه كما قال شيخنا في غاية المرام : كان مملوكا وكان يعمل في بستان لسيده فحضر سيده في بعض الأيام وطلب منه رمانا حلوا ، فذهب رضى اللّه عنه إلى بعض شجر الرّمان ، وقطع منه وقدمه إليه فلما كسره وجده حامضا فغضب وقال : اطلب منك الرمان الحلو فتحضر لي الحامض ، فذهب وأحضر رمانا فكسره ، فإذا هو حامض هكذا مرارا فغضب عليه وقال : اطلب الحلو وتحضر الحامض هات حلوا فمضى وقطع من شجرة أخرى فلما كسره وجده حامضا ، فازداد غضبا فقال : أنت ما تعرف الحلو من الحامض ؟ فقال : لا . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأننى ما أكلت منه شيئا فلا أعرفه ، فقال : ولم لم تأكل ؟ قال : لأنك ما أذنت لي ، فكشف عن ذلك فوجد قوله حقا ، فعظم في عينيه وزوجه ابنته . ويقال : إن اللّه رزقه عبد اللّه من تلك الأمة فسبحان اللّه ذرية بعضها من بعض . قال شيخنا : وروى مثل هذا الأمر لإبراهيم بن أدهم وكأنه قصتان متشابهتان وقعت لكل منهما . انتهى . قلت : وهذا كله من حسن المراقبة فلنذكر فصلا في المراقبة تكميلا للفائدة ، وهكذا ذكر أحد الصالحين وكان من كراماته وخصائصه ، فنا من العبادة جعلت له فصلا لئلا يطول الكلام فتسأم النفس .