علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
175
نسمات الأسحار
الآية ، وفيها فوائد : منها : قوله للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أخبرهم قبل أن يخلقه والغرض فيه أن يسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فعرفوا حكمته في استخلافهم أو ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة . ومنها : أنهم قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فيه تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير . قال : مع أن هذا غيب فمن أين عرفوه حتى تعجبوا منه ؟ فالجواب : أنهم عرفوه بإخبار من اللّه أو من جهة اللوح أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون وكل خلق سواهم ليس على صفتهم أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة ، ومنها أنه جل جلاله لم يبين لهم تلك المصالح بل قال : إني أعلم ما لا تعلمون فهلا بين لهم تلك المصالح ؟ فالجواب : أن نقول كفى العباد أن يعلموا أن أفعال اللّه كلها حسنة وحكمة وإن خفى عليهم وجد الحسن والحكمة على أنه قد بين لهم بعض ذلك حيث قال : وعلم آدم الأسماء كلها لخصته من الكاشف . قلت : وإنما لم يبين لهم وجه الحكمة في خلقه لأنه ثبت أن كل ما يفعله حكمة وصواب ، وأنه جل جلاله منزه عن اللعب وأن له في خلقه حكما عظيمة بالغة وأسرار عجيبة ولم يكشف لهم تفاصيلها لأنهم عجزة عن الإحاطة بتفصيلها أو أراد أن لا يطلع عليها سواه جل جلاله بدليل ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم . فتأمل ما في خلق الإنسان من الحكمة فمنها أن المخلوقات على أربعة أقسام : أحدها : له عقل لا شهوة وهم الملائكة . ثانيهما : له شهوة لا عقل وهم كل الحيوانات سوى الإنسان . ثالثهما : شهوة وعقل وهو الإنسان فإن غلبت شهوته عقله التحق بالبهائم وإن