علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
124
نسمات الأسحار
فصل في بر الوالدين اعلم أن بر الوالدين أمر مهم تواترت به الآيات والأخبار وتظافرت عليه القصص والآثار قال تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً الآية [ الأحقاف : 15 ] ، وقال تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ النساء : 36 ] ، وقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] ، وقال تعالى : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [ الرعد : 21 ] ، وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الآية [ الإسراء : 23 ] ، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ [ لقمان : 14 ] . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : شدة على شدة ، ضعفا على ضعف ، وقال مجاهد : مشقة على مشقة ، وقال الزجاج : المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة ، ويقال الحمل : ضعف والطلق : ضعف . فانظر في هذه الآية كيف وصاك مولاك بالوالدين فيجب عليك قبول الوصية ، وتعهد الموصى به ألا ترى لو أنك أوصاك حاكم عاجز أو سلطان جائر بشخص من رعيته كنت تفتخر به على أقرانك وتعرف لذلك الشخص حقه وتعظمه بقلبك إذ لو لم يكن له قدر عند السلطان لما وصى به وكذلك الوالدان وكيف لا يكون لهما قدر إذ هما السبب لوجودك فكما أن الخالق مبدع لوجودك الوالدان السبب لذلك ، وتأمل ما للخالق من الحقوق والطاعة كذلك لهما هذا من غير وصية فكيف وقد وصى . ثم انظر كيف أتى بنون العظمة فقال : وصينا لينبه أن قدر الوالدين عظيم ، إذ العظيم لا يوصى إلا بأمر عظيم وانظر كيف أتى بصيغة التفضيل من المبالغة ، ولم يأت بالأفعال لما في التفعيل من المبالغة والتكثير كأن مولاك جل جلاله يقول : وصيتك بالوالدين وصية بعد وصية ، وكان ينبغي لك الإحسان إليهما من غير وصيته فكيف مع الوصية وكان يكفى وصية واحدة فكيف بوصايا كثيرة ، ثم من تمام لطفه يقظك بصفة العنوان حيث سماك بالإنسان كأن المعنى : ما أتينا بهذه