علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
12
نسمات الأسحار
وسميته « نسمات الأسحار في كرامات الأولياء الأخيار » والحامل لي على هذه التسمية أن خالق القوة والقدر ألهمني تأليفه وقت السحر . فأقول مستمدا من اللّه الإلهام والتعليم مستحضرا قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] . اعلم أيها الأخ الرشيد وفقني اللّه وإياك إلى كل منهاج سديد أن الذي ذهب إليه أهل الحق والسنة إلى أن الكرامات من خرق العادات جائزة في حق الأولياء ، خلافا للمعتزلة فإنهم أطبقوا على منع ذلك ، ومال الأستاذ أبو إسحاق إلى قريب من مذهبهم كما نقله إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في الإرشاد في الاعتقاد وقال : إن الذين جوزوا الكرامات تحزبوا أحزابا فمن صائر إلى أن من شرط الكرامة الخارقة للعادة أن تجرى من غير إشارة ولا اختيار من الولي ، وصار هؤلاء إلى أن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه ، وهو غير صحيح لما سنذكره ، وصار صائرون إلى تجويز وقوع الكرامة على حكم الاختيار ، ولكنهم منعوا وقوعها على قضية الدعوى فقالوا : لو ادعى الولىّ الولاية واعتقد في إثبات دعواه بما يخترق العادة فإن ذلك ممتنع ، وهؤلاء يقدرون ذلك مميزا بين الكرامة والمعجزة ، وهذه الطريقة غير مرضية أيضا ، ولا يمتنع عندنا ظهور خوارق العوائد مع الدعوى المفروضة ، وصار بعض أصحابنا إلى أن ما وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولىّ ، فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وتنقلب العصا ثعبانا ويحيى الموتى إلى غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولىّ وهذه طريقة غير سديدة أيضا ، والمرضىّ عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معارض الكرامات ، وغرضنا من تزييف هذه الطرق وإيثار الصحيح عندنا والميز بين الكرامة ، يبين بذكرنا نفاة الكرامة وتقصّينا عنها وتعويلنا على القطع في إثباتها فمما تمسك به نفاة الكرامة قالوا : لو جاز انخراق العادة من وجه لولى جاز ذلك من كل وجه ، ثم يجرّ مقال ذلك إلى ظهور ما كان معجزة لنبي على ولى وذلك يفضى إلى تكذيب النبي المتحدى بآياته القائل لمن تحدنى كذا لا يأتي أحد بمثلها إلا أتيت به فلو جاز إتيان الولي بمثله لتضمن ذلك نسبة الأنبياء إلى الافتراء وهذا تمويه لا تحصيل له إذ لا خلاف أن الشئ الواحد من خوارق العوائد يجوز أن يكون معجزة لنبي بعد نبي ، ثم لا