مجموعة مؤلفين
64
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وإذا حققت ما أومأنا إليه ، وتأملت توحيد الأفعال المنسوب إلى الأشعري رضى اللّه عنه وحدث الكلام الكلام ، والملحظ الملحظ ، فهذا معنى العينية المشار إليها لا ما يتوهم أكثر الناس ، فإنه إلحاد وعناد . فإن قلت : قد سلمنا أنه مبدأ آثار الماهيات ، فكيف يكون عينها ؟ قلت : أليس قد تقرر في علم الكلام أن الوجود عين الماهية في الخارج ، بمعنى أنه ليس في الخارج للماهية تحقق ، ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر ، حتى يجتمعان اجتماع القابل والمقبول كالجسم والسواد ، والماهية إذا كانت فكونها هو وجودها ، لكنهما متغايران في العقل بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهية دون الوجود وبالعكس ، وهكذا هاهنا ، فإن الواجب إذا كان هو مبدأ الآثار الماهيات لم يكن الموجود الخارجي إلا هو ، وآثار الماهيات تظهر به ، والماهيات على حالها ما شمت رائحة الوجود ، فليس الموجود في الخارج إلا هو ، فهو عينها في حالة ظهوره بآثارها وأحكامها ، فحاصل كلام الشيخ رضى اللّه عنه هو أن وجود الحق تعالى هو الوجود الحقيقي الخارجي ، ووجود العالم هو الوجود الظهوري الخيالي ، وحاصل كلام الوجودية عكسه ، فإن وجود الحق عندهم لا يتصور إلا في ضمن المظاهر ، فالعالم عندهم موجود حقيقي ، والواجب موجود عقلي اعتباري ، وبينهما من الفرق كما بين القدم والفرق ، وسيأتي زيادة إيضاح لهذا المعنى الكلام في محله إن شاء اللّه تعالى . ومما يدل على أن مراد الشيخ هو هذا الذي قررناه ما قاله في الباب الخامس ومائتين من « الفتوحات » : هو عين كل شيء في الظهور ، ما هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه ، بل هو هو ، والأشياء أشياء .