مجموعة مؤلفين
522
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
فإن قلت : تعدد الممكنات ، وتكثرها يفضي إلى تكثر الوجود وانقسامه ، ويناقض القول بوحدته ؛ فيجاب عن ذلك بما مثله سيدي الشيخ الأكبر في « فصوص الحكم » بقوله : إن الأعداد المتكثرة المنقسمة في الظاهر هي في الحقيقة عبارة عن الواحد مكررا ؛ فلا تعدد ، ولا انقسام في نفس الأمر ، وهذا التعدد والتكثر والانقسام إنما هو باعتبار ظهور الواحد في مراتب العدد ، وذلك أن الواحد في أول مراتب العدد واحد ؛ فإذا ظهر في المرتبة الثانية من مراتب الأعداد قيل فيه : ثان ، وهكذا الثالث والرابع إلى ما لا يتناهى ؛ فما تكثر الواحد أبدا ، ولا انقسم ، وإنما ظهر في مراتب حكمت عليه بالكثرة والتعدد من غير أن يكون ثلم لوحدته ، ومتى لم ينقسم العدد لم ينقسم المعدود ، وهكذا القول بالوجود الحق ؛ فإنه شيء واحد ظهر عند تجليه في مظاهر أسمائه وصفاته ، بصورة المتكثر المنقسم من غير أن ينقسم في ذاته . تتمة : تتعلق بالمقام ، وهي أن الأشعري - رحمه اللّه - قد ذهب إلى تجدد الأمثال في العرض ، فإن العرض لا يبقى زمانين عنده ، كما هو مقرر ، وإلى أن العالم كله يرجع إلى جوهر واحد فيكون ما ذكره قريبا مما ذكره الشيخ رضي اللّه عنه ، ومتابعوه من القول بوحدة الوجود وتجدد الأمثال ، وإن اختلفا باعتبار ما ، وقد علمت أن تجدد الأمثال تابع لتجدد التجليات ؛ قال اللّه تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] أي : كل آن ، واللّه أعلم بما يكون ، وما قد كان إشكال ذكر حضرة الشيخ في « فتوحاته المكية » وفي « فصوص الحكم » : أن من عبد شيئا فما عبد إلا اللّه ، وإنما كان خطؤه في طريق العبادة حيث لم يؤذن فيها على هذه الطريقة . فالجواب عنه أنه حيث علم مما تقدم أن الأشياء كلها راجعة بباطنها إلى الحق تعالى ؛ لأنه وجودها القائمة هي به ، مع قطع النظر عن خصوصياتها واعتباراتها على ما