مجموعة مؤلفين

509

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

ذلك وإطلاقه ، نعم هذا يكون له باعتبار تنزلاته في مراتبه ، وظهوراته فيها كالماء ؛ فإنه من حيث ذاته لا لون له ، فإذا ظهر بالأواني المتلونة تبعها في اللونية ، فقيل فيه أحمرا وأخضرا وأصفرا وهكذا ، فلا يرد ما وقع في كلامهم رضي اللّه عنهم من أن العالم هو الحق أو أن الكل هو تعالى ؛ فالمخلص من هذا أن يقال : ما دام العالم بخصوصياته كهذا زيد ، وهذا عمرو ، ونحو ذلك ؛ فهو غير الحق قطعا ، وهو كفر بإجماع الطائفتين حينئذ ، وإذا قطع النظر عن الخصوصيات واضمحلت ، وكان ذلك الحق من ورائها وحده لا غير رجع العالم إلى أن هو الحق تعالى ، وهو حقيقة الإيمان ، ونفي الشرك ؛ لأن الوجود للّه وحده كما ذكر . وإيضاح ذلك بما ذكره الأستاذ الشيخ الشعراني رضي اللّه عنه في كتابه « الموازين الذرية » « 1 » : إن للحق تعالى مرتبتين ؛ مرتبة الإطلاق الحقيقي المنزه عن كل قيد حتى عن الإطلاق ، فإنه قيد له ، وهو منزه عن القيود ، وهو في هذه المرتبة ثابت له الغنى عن العالمين ، ولا خبرة للعالمين به ، ولا معرفة ، ولا إشارة أبدا . والمرتبة الأخرى : مرتبة التقييد ، وهو الظاهر سبحانه وتعالى بها للعالمين به في كل صورة محسوسة ومعقولة وموهومة ؛ فهي ثابتة له بوجه التنزل بمقتضى قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 284 ] . وقوله تعالى : وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [ النمل : 91 ] بلا تأويل أي : مظهر له ؛ فكل صورة مما ذكر هي مظهر له ، وهو قيومها ، وهو من حيث إطلاقه وإحديته وغناه عن العالمين منزه عنها ، وباعتبار هذه المرتبة ثبتت له صفات التشبيه كظهوره بالصور

--> ( 1 ) طبع دارة الكرز ( بتحقيقنا ) .