مجموعة مؤلفين

498

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

خاتمة في وجوب متابعة النبي صلى اللّه عليه وسلّم وخطر متابعة النفس اعلم أن متابعته صلى اللّه عليه وسلم موجبة للتحقّق بمعرفة الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم هو المظهر الأتم بالفعل ، والنفس المظهر الأتم بالقوة ، ومن شأن المظهر الأتم بالفعل أن يأخذ فيض المظهر بلا واسطة ، والمظهر بالقوة يأخذه بواسطة ، فثبت بذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم كامل البصيرة ، ومعدن الحكمة الإلهية . والنفس كالأعمى ؛ لكون الكمال ليس فيه بالفعل ، والأعمى محتاج في سيره إلى الاستعانة بغيره ؛ خوفا من السقوط في وهدة ونحوها ، فكيف حال متابعه وهو مثله ؟ وكيف حال تابع التابع وهو مثلهما ؟ فالأعمى الأول مثال الحكماء ، والثاني مثال بعض طلبة زمننا فإنهم يعتقدون أن مرتبة الحكماء فوق ، ويليها مرتبة الأنبياء ، فويل لهم ما أشد غباوتهم وأقبح جهالتهم ، وقد قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . نعم لا بأس بمطالعة كلام الحكماء ؛ لزيادة العلم غير أنه ممتنع على من نحوه ذلك إلى فرط الاعتقاد فيهم ، ثم اعلم أنهم عرّفوا الحكمة بأنها علم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر ، ثم إنهم لم يبيّنوا حقيقة النفس الناطقة ؛ بل عرّفوها بالعوارض ، وتعريف الشيء بها لا يفيد معرفته على ما هو عليه ، كما هو واضح في الواجب ، فبطل تعريف الحكمة .