مجموعة مؤلفين

493

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وقال في موضع أخر منها : إن الواجب وجود مطلق ؛ يعني : معراض التقيّد بالغير والانضمام به ، وعليه فلا يتصوّر عروض الوجود للماهيات الممكنة . فحينئذ لا معنى لوجودها إلا أن لها نسبة مختلفة الوجوه ، والاطّلاع على الماهية بتلك النسبة متعذّر ، والموجود كلّي ، وإن كان الوجود جزئيّا حقيقيا . ثم قال قدّس سرّه : هذا ملخص ما ذكره بعض المحقّقين من شيوخنا قال : ولا يعلمه إلا الراسخون ، وإذا قبل السيد الشريف قدّس سرّه هذا المعنى ، وقرّره ؛ وهو إمام المتأخّرين كيف يسوغ لغيره أن يطلق لسانه باعتراضات كاسدة ، وشبه فاسدة ؟ هذا ومحصّل ما ذكرناه أن الوجود الخارجي عبارة عن شيئين الماهية الممكنة والمبدأ ؛ وهو من حيث إنه مبدأ غير مفارق للماهيات ؛ بل مقارنها ؛ لكن لا لمقارنة الجوهر بالجوهر ، ولا العرض بمثله ، ولا هو بالجوهر ؛ بل لمقارنة المبدأ بذي المبدأ ؛ وهي المقارنة التي لا مدخل فيها للتحيّز والمكان ؛ بل مجرّد التأثير والتأثّر والفعل والانفعال ، ومقولة : الفعل والانفعال ؛ إنما تطلق على معنى بالعقل لا بالقوة ، فالفاعل هو الفاعل بالفعل ، ، والمنفعل بالفعل ، وعلى هذا فالفاعل في حالة الفعل ملازم متفعّل بالفعل لا بالقوة . فثبت بذلك أن ذات الوجود مقارن للماهية ، وإليه يشير قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً [ النساء : 126 ] ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، وهذا البحث خفي حداد فيه أسرار عديدة رخصة في بثّها . اعلم أن سلوك طريق الحق جلّ وعلا لا يتم إلا بعد معرفة مراتبها ، وأصولها ستة ، وفروعها غير متناهية .