مجموعة مؤلفين

46

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

ولا يوجد في كلام هؤلاء ما يخالف الشرائع ، وقد نقل عنهم القول بحدوث العالم والمعاد الجسماني ، وصرح أفلاطون بحدوث العالم ، وبعض المتأخرين يئوله بالحدوث الذاتي وهو تأويل سمج ؛ لأن الحدوث الذاتي ما أنكره أحد ، حتى يبالغ في إثباته أفلاطون غاية المبالغة ، والظاهر أن الحكمة في ذلك الزمان إنما كانت تكتسب بالرياضة والمجاهدة ، حتى تتمكن النفس الناطقة من مفارقة الجسد أي : حين أرادت ، ويكون جسدها بالنسبة إليها مثل الثوب بالنسبة إلى الجسد ، وحينئذ تلتحق بالملأ الأعلى ، فتشاهد كل حقيقة على ما هي عليه من غير فكر ونظر . ومنهم من لم يتقيد بمتابعة الرسل ، وسلكوا طريق البحث البحت والنظر الصرف فلا جرم دخل عليهم الخلل ، ووقع لهم الذلل ، وهكذا حال المتكلمين من المسلمين ، فإن طائفة التابعين درجوا على سنن النبوة في أصول الدين ، وجاءت شرذمة من بعدهم كالمعتزلة وسائر المبتدعين ، فاسترسلوا في متابعة الأنظار ، واستوطنوا

--> - بحر قد انفرد به ، وجعل ذلك البحر له وحده . وقال الجنيد أيضا : كل الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا . وقال أبو الحسين : ولعمري لقد كان يبدو منه الشيء بعد الشيء على سبيل الغلبة لا يجوز أن يتخذها الإنسان دعوى يدعيها . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت علي بن بندار ، يقول سمعت أبا بكر بن محمود يقول : بلغني أن أبا حفص قدم على أبي يزيد ، فقال له : يا أبا يزيد : يبلغنا عنك في كل وقت أشياء منكرة ، فقال : إنما يخرج الكلام مني على حسب وقتي ، ويأخذه كل بحسب وقته ثم ينسبه إلي ، واللّه أعلم . وانظر في ترجمته : حلية الأولياء ( 10 / 40 ، 33 ) ، الرسالة القشيرية ( 17 ) ، طبقات الصوفية للسلمي ( 8 ) ، والطبقات الكبرى للشعراني ( 1 / 89 ) ، وروضة الحبور في مناقب الجنيد البغدادي وأبي يزيد طيفور لابن الأطعاني ( ص 18 ) بتحقيقنا .