مجموعة مؤلفين

44

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - هذه الحكاية فأنكروا ذلك ، وعلى تقدير صحة ذلك ، فنقول : قوله سبحاني سبحاني على معنى الحكاية عن اللّه عزّ وجل أنه يقول : سبحاني سبحاني لأنا لو سمعنا رجل يقول : لا إله إلا أنا فاعبدني ، لا يختلج في قلوبنا شيء غير أنا نعلم أنه هو ذا يقرأ القرآن ، أو هو يصف اللّه بما وصف به نفسه ، وكذلك لو سمعنا دائما أبا يزيد وغيره وهو يقول : سبحاني سبحاني ، لم نشك أنه يسبح اللّه ويصفه بما وصف به نفسه . وكذا قال : الشيخ شهاب الدين السهروردي في العوارف : وما يحكى عن أبي يزيد قوله : سبحاني حاشا للّه أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن اللّه تعالى . قال : وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلاج قوله أنا الحق . قيل لأبي القاسم الجنيد قدس اللّه روحه إن أبا يزيد يسرف في الكلام ، وقال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شأني » . فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه لذهوله في الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق تعالى فنعته ، فنطق به ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ولم يكن من شهوده إياه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ . قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا . وأما ما حكي عنه قوله : « ضربت خيمتي بإزاء العرش » فإن صح عنه أنه قال ذلك فهذا غير مجهول أن الخلق كلهم والكون وجميع ما خلق اللّه تحت العرش ، أو بإزاء العرش يعني : وجهت وجهي نحو ملك العرش ، ولا يوجد في العالم موضع إلا وهو بإزاء العرش ، فلا سبيل للمتعنت إلى هذا الطعن . وأما ما حكي عنه أنه قال : « خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله » فقد تكلم الناس على مقالته هذه بأشياء على قدر أذواقهم ، ونذكر هنا ما قاله الشيخ الكبير أبو الحسن الشاذلي - قدس اللّه روحه - فإنه أقرب إلى أفهام الناس . قال : إنما يشكو أبو يزيد بهذا الكلام ضعفه وعجزه عن اللحاق بالأنبياء عليهم السلام ، ومراده أن الأنبياء خاضوا بحر التوحيد ووقفوا من الجانب الآخر على ساحل الفرق يدعون الخلق إلى الخوض ، أي : فلو كنت كاملا لوقفت حيث وقفوا . وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه : وهذا الذي فسر به الشيخ كلام أبي يزيد هو اللائق بمقام أبي يزيد .