مجموعة مؤلفين

439

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - الشريف ليس له إلا الظاهر ، واللّه يتولى السرائر والغالب على هؤلاء الزنادقة أنهم يدّعون أنهم لا يشهدون إلا اللّه ولا يثبتون كثرة أصلا . ويقولون : إن الوجود واحد وما ثمّ إلا واحد ، ونحن لا نرى إلا اللّه مع أنهم يشاهدون الكثرة في أنفسهم والعجز والافتقار ، واللّه تعالى منزّه عن ذلكن ويزعمون أن وجودهم المقدّر المفروض المحدود ووجود هذه الأشياء من حيث هي أشياء مقدّرة مفروضة هي وجود الحق تعالى ، وتقدّس جناب الحق تعالى عن صفات الخلق فهذا كفر صريح . وأمّا قول أهل الحق القائلين بوحدة الوجود على الوجه الأحق ، فإذا قالوا : ما في الوجود إلا اللّه مثلا فمرادهم من حيث القيومية فإن به تعالى قيام كل شيء وهو القائم على كل نفس بما كسبت ومن حيث تجلّيه وإمداده وتولّيه ، لا أن هذه الصور الحادثة الفانية المقيّدة المحدودة وجوده ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وتختلف أذواق أهل هذه المشاهد ، فمنهم من يكون ذوقه صديقيّا ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله . فأولا رأى قيوميّة الحق وتجلّيه على الشيء ، ثم رأى الشيء ولم ينفه ولو نفاه ؛ لكان سكرا ، فكان مشهده كاملا حيث جمع بين شهود الحق والخلق في آن ، لكنه غلب عليه شهود الحق ، فرآه أولا ثم رأى الخلق . ومنهم : من يكون مشهده فاروقيّا ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه : أي متجلّيا بقيوميته عليه ، وهذا المشهد دون الأول من حيث الذوق . ومنهم : من يكون مشهده مشهدا عثمانيا ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه معه . ومنهم : من يكون مشهده مشهدا علويّا ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده . وثمّ فوق هذه الأذواق أذواق كثيرة لا حدّ لها ولا نهاية ، قد ذاقها الأصحاب والأحباب ، ساروا على منهج السنّة والكتاب . ولقد سألت شيخنا الهمام سيدي الشيخ عبد الغني حفظ اللّه وجوده للأنام عن مقام المعرفة الخاصة ، هل يكون بدون جدّ واجتهاد . فقال : لا ، فقلت : ولا بد فيه من الذوق والوجدان ، والقال لا يكفي دون الحال . -