مجموعة مؤلفين
426
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
اعلم أن الموجودات وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود ؛ ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه ؛ يرى ما سوى اللّه طويلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته ، فحكمه حكم العدم . قال : وهذا من بعض الوجوه التي يمتاز الحق بها من كونه موجودا عن وجود خلقه مع أنه على الحقيقة ليس بينه وبين خلقه اشتراك بوجه من الوجوه . وقال في باب الوصايا : احذر أن تدّعي الوصلة ، وجمع الشمل ، فإني أخاف عليك أن يكون جمعك بك لا به ، فتكون في عين الفصل والفراق ، فلا تغالط نفسك . قال : علامة صحة الوصلة بمشاهدة الحق : إنك إذا عكست مرآة قلبك إلى الكون ؛ عرفت ما في ضمائر الكون ، يصدقك الناس على ذلك الكشف ، انتهى . واعلم أن أهل الباطن لّما عمّروا القلب بالحضور مع الحق في سائر المواطن ، ووفتهم الجذبات الحقية ، والنفحات الربية ، استخلصتهم من قيد السوى ، وحررتهم من رق الهوى فخلصوا من الشرك الخفي ، وأطلقوا من سجن الغفلات التي سراج مصباحها طفيى ؛ فغلب على باطنهم التصفية من الأكدار لمعان أنوار رفعت لهم السّجف والأستار ؛ فهانت الصعاب ، ودانت العقاب حين تخلّوا عن الشوائب ؛ تخلّوا بغرائب الأطايب ، ومتى تخلّى القلب وتحلّى مولاه ؛ تولاه عليه تجلّي ، وهناك لا يرون إلا الوجود الحق والشهود الصدق ؛ فينفون الخلقية بالكلية ؛ لتوارد أحوال قلبية ، وهذا من سكر الحال ، وقهر الواردات للمحال ، وينشأ عن استغراق مطول في مقام الجمع الأول ، فيقول الغائب بسكره عن عقله وفهمه وفكره : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا ؟ « 1 »
--> ( 1 ) القول للحلاج وانظر : الطواسين ( ص 134 ) .