مجموعة مؤلفين
408
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الحادث المفروض المقدر صريحا وإشارة ، والحكم بأنه غير الوجود القديم ، وإن كانوا قائلين بوحدة الوجود . غير أنهم تارة يغلب عليهم شهود الوجود الحق ، الحقيقي الذي به كل شيء موجود ، فينفون ما عداه ، ويقولون عما سواه أنه خيال ، وأنه سراب ، وأنه هالك ، وأنه مضمحل زائل لا وجود له أصلا . وهم صادقون في ذلك كله ، لأن كل ما سوى الحق تعالى إنما وجوده مفروض مقدر بالإجماع ؛ لأنه مخلوق ، والوجود المفروض المقدّر عدم صرف في نفسه ، وإنما الوجود المحقق هو وجود اللّه تعالى وحده ، الخالق أي : الفارض المقدر لكل شيء ، أو الموجد بطريق الفرض والتقدير لكل شيء . ولا يقال : لو كان كل شيء من هذه المخلوقات مفروضا مقدر لما كان شوهدا محسوسا ومعقولا ثابتا موجودا محققا ، لأنّا نقول فرض اللّه وتقديره لوجودات الأشياء في أعيانها ليس كفرضنا نحن ، وتقديرنا للشيء المعدوم ، وقد جعل اللّه تعالى ما نفرضه ونقدره أنزل رتبة منا ليكون ذلك فينا مثالا لما يفرضه اللّه تعالى ويقدره من وجودات الأشياء المعدومة ، وأنها أنزل منه في الوجود ، ولا يجوز الطعن على أحد من العارفين ، وإن جهل الجاهل قولهم ، فإن الجهل للشريعة والدين الحق ، في مذهب ذلك الجاهل ليس يعذر ، بل الواجب عليه التعلم عنده ، فإذا حكمنا على الجاهل بما يرى في مذهبه حكمنا بكفره ، حيث أنكر ما هو الحق على أهل الحق ، وإن لم يعلم بمعنى ما أنكره ، وأقل الإثم والمعصية في ذلك كما قال اللّه تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] .